جفرا نيوز -
عبدالهادي راجي
في عيد ميلاد الملك ... مر عيد ميلاد جلالة الملك ، وتابعت التغطيات المتعلقة بذلك ...
تابعت مثلا لقاء رئيس التشريفات السابق على التلفزيون الأردني وتغطية متحف الدبابات ، ذات الأسئلة تتكرر في كل عام ...ذات التغطية ، وذات الإنفعال الذي تمارسه رندة كرادشة ...ويمارسه في ذات الوقت حازم رحاحلة ، وصرنا نردد نفس الجمل وهي : الملك متواضع ، الملك طيب ، الملك يهتم بشعبه ..
هل هذا ما نريد أن نعرفه عن (ملكنا) ..هل هذا ما نريد لأولادنا أن يعرفوه عن الملك ؟ ...
ذات يوم جلسنا في المخابرات العامة ، كنا (14) صحفيا ، وجاء (سيدنا) ..تحدث يومها مدير المخابرات ، وتحدث سيدنا ..كانت ( ح م ا س) قد حكمت قطاع غزة ..وكنا نعاني وقتها من الإعلام الخارجي ومن المراسلين الذين يرسلون بأخبار غير دقيقة عن الأردن ، يومها كنا نطرق السؤال هل هؤلاء مهمتهم صحفية ..أم أنهم يلتقون ببعض المسؤولين فقط ، لنقل أخبارنا وتحركاتنا للخارج ، كانت المسألة مؤلمة فالقرارات الرسمية تصل لصحف الضباب قبل صدورها من الحكومة ...حين انتهى اللقاء وهم الملك بالمغادرة عاد من الباب ، والتفت لأحد المراسلين الذي كان معنا في اللقاء وقال له : (عاد مش اتغير في اللي حكيناه ..انقل زي ما سمعت) ...أخرجها الملك بطريقة المزاح ، لكنها لم تكن مزاحا كانت رسالة لنا جميعا ...ورسالة من قائد يعرف دقائق الأمور وتفاصيلها أكثر من الجميع ، كأنه كان يقرأنا واحدا واحد في اللقاء .
أولادنا لايريدون سماع جمل بعض (المذيعين) عن الملك التي تختصر حكمه بأنه : طيب ، متواضع ، يحب الجيش ، ويحب شعبه ...ماهو الجديد ؟ نحن نعرف ذلك ..ولكن لأن الإعلام الرسمي بمجمله إعلام يعاني من ( الإعاقات في الوعي) يطرق هذا الأمر ...الأصل أن نسأل كيف استطاع (سيدنا) أن يحذر قبل (20) عاما من الهلال الشيعي وتداعياته ، وأن يرسم ملامح ما ستصل إليه منطقتنا اليوم ...قبل عشرين عاما هل كان يجرؤ الرؤساء العرب على استعمال هذه الجملة...لكن الملك بكل بسالة قالها ، كانت ايران وقتها قد أنشبت أظافرها في العراق ، وسوريا كانت على تحالف مطلق مع النظام الإيراني ...كانت إيران وقتها (بعبع) المنطقة ، ويحج إليها كبار المسؤلين العرب لخطب ودها ...خوفا منها ومن أذرعها في المنطقة ، الوحيد الذي واجه نفوذهم وقوتهم هو الملك عبدالله الثاني .
الأصل أن نسأل كيف قرر أن يفتح بوابة البلد ، لبنات صدام حسين ..وقام بتكريمهن ...ولم يسمح لأي أحد أن يمس ولو نسمة هواء ، تمر على جديلة واحدة منهن ...أليس هذا الموقف وحده ، يوحي بحجم العروبة والكرم والرجولة ...هل تجرأ أحد على فعل ذلك غير عبدالله بن الحسين ؟
والأصل أن نسأل كيف استطاع أن يرد الصاع صاعين في تفجيرات فنادق عمان ، دون اعتماد على أحد بل على قدراتنا ومؤسساتنا الأمنية ، كيف استطعنا استدراج (الكربولي ) واعتقاله ، كيف اخترقنا القاعدة ...وعلمناهم أن العبث معنا سيأتي عليهم بنتائج وخيمة ...كيف ثأرنا لكل قطرة دم ، ولكل صرخة ، ولكل دمعة شهيد سالت ظلما وجورا .
في عملية استشهاد معاذ الكساسبة أيضا ، الأصل أن نسأل كيف استطاع الملك إطلاق عملية هي الأضخم في تاريخ سلاح الجو الملكي ، بحيث شاركت فيها أسراب من طائراتنا ، وأغارت على داعش ..بالرغم من تحذيرات الأمريكان بالرغم من تحذيرات أوروبا ، إلا أنها ظلت العملية الأضخم ..والتي حققت نتائج مذهلة ، فقد قتل فيها سلاح جونا العشرات من جنود وقيادات داعش ...الأصل أن نسأل كيف حلقت (15) طائرة دفعة واحدة ومحملة بعشرات الأطنان من القذائف ..,كيف عادت دون أن تمس أي طائرة ، أو تفشل في إصابة هدف ...هو الذي خطط للعملية ، وهو من التقى بالطيارين ورفع روحهم المعنوية ، هو من أمر ببث تفاصيل العملية على التلفاز لأجل رفع معنوية الشعب بعد استشهاد معاذ الكساسبة ...وكان السؤال يومها في المعاهد العسكرية ، كيف تتجرأ دولة صغيرة على عملية بهذا الحجم .
الأصل أن نخبر أولادنا ، كيف جلس في غرفة العمليات أثناء الربيع العربي ...كيف أصدر الأوامر ، كيف جعل الدولة تمتص الغضب دون سفك قطرة دم واحدة ، كيف انحاز الناس له ..ورفعوا صوره ، كيف مررت الدولة أحداث دوار الداخلية ...وكيف صدرنا نموذج التسامح للعالم كله ، كانوا يراهنون على أن الأردن هو الحلقة الأضعف ، وبعض قيادات الأحزاب في البرلمان صرحوا : (نحن جاهزون لتسلم السلطة التنفيذية ) وبعضهم حاول تثوير المخيمات ، وبعضهم ظن لوهلة أن مسألة الفوضى التي ستعم عمان ، هي مجرد مسألة وقت ..وبعدها سنستورد النموذج المصري ، وستخضع الدولة ...لكن هذا لم يحدث ، لم يحدث لأن الملك كان يصدر الأوامر بنفسه ، كانت أولويته حفظ الدم ...كانت خطته تمرير الغضب دون صدام ....لم يسأل أحد عن السر في الربيع العربي ، والبعض عللها بقدرة الجهاز الأمني ...هي ليست كذلك هي قدرة قائد أصدر الأمر الصحيح في اللحظة الحاسمة .
نريد لأولادنا أن يعرفوا أن القيادة ليست ابتسامة في وجه الحرس ، وليست قطع زيارة ، وليست بساطة في الشخصية ، وليست تناول (قلاية البندورة) مع العسكر في الصباح ...وليست ممارسة الرياضة ، القيادة قتال وقلق ..الملك عبدالله الثاني ، أنقذنا من مرحلة سقوط بغداد ، تحمل ما لاتتحمله الجبال في الأزمة السورية ..ولم يتورط جيشنا ولا شعبنا في الدم السوري ، بالرغم من الضغط الهائل الذي مورس علينا لابل احتضن كل لاجيء ..عبر بنا الربيع العربي ، عبر بنا أحداث غزة ...تحمل ما لايتحمله إنسان في أزمة (المعلمين) ..حين استباحت (السوشيال ميديا ) كل شيء ...ولم يسجل عليه في تاريخه أن : سحل أحد في عهده أو اختفى أحد أو قتل معارض ، أومارست مؤسساتنا الأمنية الإخفاء والترويع والتعذيب ...
الملك عبدالله الثاني ، هو الان أقدم زعيم عربي ربما ...وأقدم زعماء المنطقة ، روض ما لم يستطع أي قائد عربي على ترويضه ، وأنا أشعر به ..حين يتحدث أشعر بحجم الألم والصبر في قلبه ...
نريد من إعلامنا أن يقدم الملك عبدالله بصورة المقاتل ، لابصورة انفعال الإخوة في متحف الدبابات ..ولا بصورة أن أحب الأشياء لديه هي زيارة الجيش ...
(26) عاما أمضاها في حكم هذا البلد ، وأظنها (26) عاما من الحرب والتعب والقتال والقلق والنار ...كيف لنا أن نختصر كل هذا الجبروت في شخصيته ..بوصفه متواضعا بسيطا ، يحب شعبه ...
سيبقى إعلامنا الرسمي (يعاني من إعاقات الوعي) ...وسيبقى مرتهنا لرغبة وزير وخوف مدير ، نحتاج في هذه المرحلة أن نفهم الملك أكثر ..أن نقدم هذا النموذج لعالمنا العربي ولأجيالنا القادمة ...ليس بلسان رندة وحازم وفؤاد ...الملك من تتحدث عنه هي : القرارات الحاسمة ، البنادق ، الحرب ، والنار ...
يالغبائنا ...منذ (عشرين) عاما ونحن نختصر جبلا من الكبرياء بجملة : متواضع بسيط ، ويحب شعبه....نحن نعرف ذلك ، لكن الجبال وإن كانت هي أعلى الشوامخ التي تمر عليها النسمات السكرى ، إلا أنها الصخر والقوة ، هي وحدها من تقف بوجه الريح ..الريح تسقط كل شيء : الشجر والبشر والبيوت وأعمدة الكهرباء ، غير أنها تعجز أمام الجبل ...
سيدنا (جبل) ..سيبقى القائد الذي يشبه الجبل .
حمى الله الملك