جفرا نيوز -
بقلم:ياسمين عياد
حين يُسدل الليل أستاره على أحلام المدائن، وتغفو العصافير في أعشاشها الآمنة، تبقى مدائن الفكر والروح مفتوحة على تساؤلات موجعة، يحفرها الزمن في صخر الوجود الإنساني. إن الإرهاب ليس مجرد عاصفة عابرة تقتلع الأشجار، بل هو زلزال خفيّ يزلزل طمأنينة الضمير البشري، ويهزّ أركان الوجود المشترك. إنه الغيمة السوداء التي تحاول عبثاً حجب شمس الحياة، واللغة الوحشية التي تتحدث بصوت الدم والنار حين يعجز العقل وتتوارى الحكمة.
يمتلك الإرهاب وجوهاً متعددة، لكنها تتقاطع جميعاً عند عتبة واحدة: إنكار الآخر وإلغاء الحق في الاختلاف. يرتدي هذا الوحش البشري أحياناً عباءة المبادئ، ويحمل في يده اليمنى شعارات مقدسة، بينما تخفي يده اليسرى خنجراً مسموماً يتربص بنبض الأمان.
إنه وليد الفكر الضيق والتعصب الأعمى، حيث تُغلق أبواب الحوار وتُسد منافذ النور، فينمو العنف في العقول المجدبة كالأشواك في أرض بور. الإرهابي لا يقاتل من أجل حياة أفضل، بل هو أسير لفلسفة العدم؛ يريد أن يسلب الناس بهجة الأيام، وأن يطفئ القناديل المزروعة في دروب الأمل. يظن واهماً أن هدم المعبد سيُعلي صوته، وأن نشر الرعب سيُخلد ذكره، وما درى أنه يحفر قبره بيديه في ذاكرة التاريخ كعنوان للخزي والخراب.
حين تقع الواقعة، وينفجر صمت الأماكن بصرخة الموت، لا تتطاير الشظايا في الجسد وحده، بل تتكسر معها أرواح بريئة لم تكن تحمل سوى الشوق لغدٍ أجمل.
أيتام على مائدة الغياب يترك الإرهاب خلفه طفولة مكسورة الجناح، وأمهات يحرمن زينة الحياة، ودموعاً لا تجف على أرصفة الفقد.اغتيال الطمأنينة يفقد الإنسان شعوره الأساسي بالأمان؛ فالطريق الذي كان يعبره مبتسماً، والحديقة التي كانت تشهد ضحكات الصغار، تتحول فجأة إلى مسارح للوجع والذكريات الحزينة. تشقق النسيج الاجتماعي يسعى الإرهاب إلى زرع بذور الشك والفرقة بين أبناء الوطن الواحد، لكي يصبح الأخ عدساً مكبراً لريب أخيه، وتتلاشى مساحات الدفء الإنساني.
على الرغم من قسوة المشهد وعتمة الأيام، يظل الإنسان كائناً مجبولاً على النور والتجدد. إن الحضارة الإنسانية لم تبنَ بالخوف، بل شُيّدت بلبنات الحب والعمل والفن والأمل.
في وجه الإرهاب، يقف المعلم في صفه المدرسي ليقاوم الظلام بحرف من نور، ويزرع الطبيب بسمة على شفة جريح، ويصدح الفنان بلحن الحياة ليعيد للكون توازنه. هذه المقاومة اليومية البسيطة هي السلاح الأبقى؛ فالحياة التي تحب أن تعاش، والجمال الذي يُصنع كل صباح، هما الصفعة الكبرى في وجه كل من أراد للكون أن يتشح بالسواد.
يبقى الإرهاب صفحة سوداء في كتاب التاريخ البشري، عابراً لا محالة مهما طال ليله، فسنن الكون تأبى إلا أن ينقش النور حضوره على أكتاف العتمة. إن استئصال هذه الآفة لا يكون بالسلاح وحده، بل بتطهير العقول من لوثات الكراهية، وتوسيع مدارك القبول والتسامح، وبناء جسور المحبة بين البشر. وحين تشرق شمس الوعي الإنساني، ستتلاشى أشباح الظلام، وتعود المدائن تتنفس عبير السلام، ليظل الإنسان واحةً للخير والجمال إلى أبد الآبدين.