اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

غلاء الأسعار أم قلة البركة؟

الإثنين-2026-09-14 08:44 am
جفرا نيوز -
غلاء الأسعار أم قلة البركة؟

في زمنٍ تتلاطم فيه أمواج الحياة من حولنا، أصبحنا ننام على خوفٍ من التزامٍ قادم، ونصحو على خوفٍ من فاتورةٍ لم تُسدّد، ونحسب المسافة التي قطعتها السيارة قبل أن نحسب أين سنذهب بها…
حتى تعبئة خزان الوقود أصبحت تحتاج إلى جلسة تفاوض عائلية وموافقة مجلس الأمن!

نعمل… نكد… نتعب… نركض طوال اليوم، ثم نعود إلى البيت ونحن نشعر أننا لم نتقدم خطوة واحدة.

لكن لماذا؟

هل المشكلة فعلًا في غلاء الأسعار؟
أم أن المشكلة في أننا رفعنا سقف حياتنا إلى مستوى لم تعد رواتبنا قادرة على حمله؟

تأمل المشهد حولك…

سيارة حديثة، وهاتف آخر إصدار، وبيت مؤثث بأجمل الأثاث، وأبناء في مدارس وجامعات، وطلبات توصيل لا تتوقف، ومطاعم فاخرة، وسفر عند أول فرصة، وتقسيط فوق تقسيط…

ثم في نهاية الشهر:

"والله الرزق قليل!"

وهنا تبدأ الحيرة.

كيف أصبحنا نعيش حياة الأغنياء… بميزانية الفقراء؟

وكيف أصبح القسط الشهري جزءًا ثابتًا من شخصية المواطن، حتى صار بعضنا إذا انتهى من سداد قرض، شعر بالفراغ وبدأ يبحث عن قرضٍ جديد حتى لا يشعر أن شيئًا ناقصًا في حياته!

نحن لا نشتري لأننا نحتاج دائمًا…

أحيانًا نشتري لأن غيرنا اشترى.

ولا نغيّر السيارة لأنها انتهت…

بل لأن موديلًا جديدًا نزل.

ولا نؤثث البيت لأن الأثاث انتهى عمره…

بل لأن صورةً على مواقع التواصل الاجتماعي أقنعتنا أن أثاثنا أصبح "قديمًا"!

ثم نعود لنسأل:

أين ذهبت البركة؟

هل المشكلة في الأسعار… أم في طريقة حياتنا؟

نعم، الأسعار ارتفعت، ولا أحد يستطيع إنكار ذلك.

لكن هل ارتفعت الأسعار وحدها؟

أم ارتفعت معها رغباتنا، وتوقعاتنا، وكمالياتنا، ومظاهرنا الاجتماعية؟

أصبحنا أحيانًا ندفع ثمن أشياء لا نحتاجها، بأموال لا نملكها، لنُبهر أشخاصًا ربما لا يهتمون بنا أصلًا!

والأغرب من ذلك أننا أصبحنا نعيش تحت ضغط المقارنة.

فلان اشترى سيارة…
إذن أنا أريد سيارة.

فلان سافر…
إذن لماذا أنا لا أسافر؟

فلان غيّر أثاث بيته…
إذن أثاثي أصبح لا يليق بي!

وهكذا تتحول الحياة من حاجة إلى حاجة، ومن قسط إلى قسط، ومن مقارنة إلى مقارنة.

وهل للقروض الربوية علاقة؟

هنا السؤال الأكثر حساسية:

هل يمكن أن تكون مشكلتنا ليست اقتصادية فقط، بل أخلاقية وشرعية أيضًا؟

الله سبحانه وتعالى قال:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

والآية لا تتحدث فقط عن نقص المال في الجيب، وإنما تفتح أمامنا سؤالًا أعمق:

هل كل مالٍ يدخل حياتنا يتحول بالضرورة إلى بركة؟

قد يزيد الرقم في الحساب، بينما تقل الطمأنينة.

وقد يزداد الدخل، بينما تزداد الالتزامات معه.

وقد يصبح الإنسان قادرًا على شراء كل شيء تقريبًا، لكنه غير قادر على النوم مرتاحًا من كثرة ما عليه من أقساط.

ولذلك علينا أن نفرق بين الرزق والبركة.

الرزق قد يكون مالًا كثيرًا، أما البركة فهي أن يكفيك المال، ويطمئن به قلبك، وتنتفع به أنت وأهل بيتك، دون أن يتحول إلى عبءٍ يطاردك كل شهر.

فلنسأل أنفسنا بصراحة:

هل كل ما نشتريه ضرورة؟

هل كل قرض أخذناه كان لحاجة حقيقية؟

هل نحتاج فعلًا إلى تغيير السيارة كل عدة سنوات؟

هل يجب أن يكون بيتنا نسخةً من بيوت المشاهير؟

هل المطعم الفاخر أصبح حقًا مكتسبًا في نهاية كل أسبوع؟

هل الهاتف الذي بين أيدينا أصبح قديمًا… أم أن أعيننا هي التي اعتادت على الجديد؟

وهل نحن فعلًا "محرومون"؟

أم أننا أصبحنا نعتبر الكماليات حقوقًا، والضروريات كماليات؟

الحل ليس أن نجلس ونشتكي!

الحل يبدأ من شجاعة الاعتراف.

أن نقول:

أنا لا أستطيع أن أعيش فوق دخلي.

وهذه ليست إهانة… بل حكمة.

أن نعيد ترتيب أولوياتنا.

أن نميز بين ما أحتاجه وما أريده.

أن نخفف الديون قدر الإمكان، وخصوصًا ما كان قائمًا على الربا، وأن نستفتي أهل العلم الموثوقين في كل معاملة مالية قبل الدخول فيها.

أن نضع ميزانية حقيقية للبيت، لا ميزانية مكتوبة على ورقة ثم نتركها في درج المطبخ!

أن نعود إلى ثقافة الادخار ولو بمبلغ بسيط.

أن نعلّم أبناءنا أن قيمة الإنسان ليست في نوع سيارته، ولا في هاتفه، ولا في المطعم الذي يصور طعامه فيه.

وأن نفهم أن الستر نعمة، والصحة نعمة، والبيت الآمن نعمة، والأسرة التي تجتمع حول مائدة واحدة نعمة لا تُشترى بالتقسيط.

والأهم…

أن نعيد النظر في علاقتنا بالمال.

فالمال خادمٌ ممتاز…

لكنه سيدٌ سيئ جدًا.

إذا سيطر عليك المال، فلن تعرف متى يكفيك.

أما إذا سيطرت أنت على رغباتك، فقد تكتشف شيئًا غريبًا جدًا:

أن راتبك الذي كنت تظنه قليلًا… ربما كان يكفي، لكنك كنت تطلب منه أن يعيش حياةً أكبر من حجمه.

وفي النهاية…

ربما ليست المشكلة كلها في غلاء الأسعار، وربما ليست كلها في قلة البركة.

ربما المشكلة في خليطٍ من الأمرين، ومعهما شيء ثالث أخطر:

أننا أصبحنا نريد أن نعيش كما يظهر الآخرون، لا كما تسمح لنا حياتنا.

فلنخفف الركض قليلًا…

ولننظر إلى ما نملك بدل أن نطارد ما ينقصنا.

ولنسأل أنفسنا قبل أن نسأل السوق:

هل نحتاج فعلًا إلى المزيد من المال؟

أم أننا نحتاج أولًا إلى المزيد من القناعة، وحسن التدبير، والبعد عن الحرام، وإعادة تعريف معنى الرفاهية؟

فليس الغنى أن تملك كل ما تشتهي…

الغنى الحقيقي أن لا تحتاج إلى كل ما تشتهي.

بقلمي
د. مهند محمد البدادوه
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير