اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

المناصب تليق بكم… ولكن ماذا عن الوطن؟

الخميس-2026-09-10 10:14 am
جفرا نيوز -
في زمنٍ أثقلته الأزمات، وضاقت فيه صدور الناس بما تحمل من هموم، تضجّ مواقع التواصل الاجتماعي بالتهاني والتبريكات، وتتعالى عبارات المديح، وتُرفع القبعات لكل من اعتلى منصبًا جديدًا، حتى باتت بعض الكلمات تُقال لا لأنها نابعة من القلب، بل لأنها أصبحت جزءًا من طقوس المجاملة والنفاق الاجتماعي.

نقرأ:
معاليك… عطوفتك… سعادتك… مبارك المنصب، وأنتم أهلٌ له، والمناصب تليق بكم.

ثم نغلق الهاتف، ونعود إلى بيوتنا لنواجه وطنًا آخر…

وطنًا فيه أبٌ يحسب ما تبقى من راتبه قبل نهاية الشهر، وأمٌّ تؤجل احتياجاتها حتى لا تثقل على أسرتها، وشابٌّ يحمل شهادته تحت ذراعه ويبحث عن فرصة لا تأتي، وأسرةٌ أصبح تأمين لقمة العيش فيها إنجازًا يوميًا يستحق الاحتفال.

فأسأل نفسي، لا حقدًا ولا تجريحًا، وإنما وجعًا:

إذا كانت المناصب لا تليق إلا بكم… فمن أوصل الوطن إلى هذا الحال؟

من أوصلنا إلى مجتمع تتسع فيه الفجوة بين من يملك ومن لا يملك؟

من جعل أحلام أبنائنا تتقلص من البحث عن النجاح إلى البحث عن وظيفة؟

ومن جعل كثيرًا من البيوت تنام على القلق، وتستيقظ على الديون، وتعيش على أملٍ مؤجل؟

لسنا ضد المناصب، ولسنا ضد من يتولى المسؤولية، بل على العكس…

نحن نريد للمسؤول أن ينجح، لأن نجاحه الحقيقي ليس في الكرسي الذي يجلس عليه، ولا في اللقب الذي يسبق اسمه، ولا في عدد المهنئين الذين يملأون هاتفه برسائل المباركة.

نجاح المسؤول أن ينام الفقير وهو مطمئن على غده.

أن يجد الشاب فرصةً تحفظ كرامته.

أن تشعر الأسرة أن الدولة تقف إلى جانبها حين تضيق بها الحياة.

أن يبقى أبناؤنا بعيدين عن المخدرات، وأن لا تتحول آفةٌ واحدة إلى وحشٍ ينهش جيلًا كاملًا.

أن لا تصبح نسب الطلاق المتزايدة مجرد أرقام في تقرير، بينما خلف كل رقم بيتٌ انكسر، وأطفالٌ دفعوا ثمن خلافات الكبار، وأمٌّ وأبٌ فقدا شيئًا من أحلامهما.

الوطن لا يُقاس بعدد المناصب التي وُزعت، ولا بعدد الألقاب التي نتبادلها، ولا بعدد صور المصافحات والابتسامات.

الوطن يُقاس بكرامة مواطنه.

بأمنه الاجتماعي.

بقدرته على أن يحلم.

بقدرته على أن يربي أبناءه دون خوف من الغد.

وبقدرته على أن يقول:
أنا بخير… دون أن يكون مضطرًا للكذب.

أيها المسؤول…

حين نهنئك على منصبك، لا نريد منك أن تردّ لنا التهنئة.

نحن في الحقيقة نحمّلك أمانة.

نقول لك: مبارك عليك المنصب، لأننا نريد أن نرى أثره في حياتنا.

نريد أن نرى في المنصب مسؤوليةً لا امتيازًا، وخدمةً لا وجاهة، وأمانةً لا مكسبًا.

فكل كرسيٍّ تجلس عليه، تحته مواطن ينتظر عدلًا.

وكل بابٍ يُفتح لك، خلفه أبوابٌ كثيرة مغلقة في وجه آخرين.

وكل لقبٍ يُضاف إلى اسمك، يقابله واجبٌ أكبر تجاه وطنك.

وليتنا نعيد النظر في مفهومنا للمسؤول…

فليس أعظم المسؤولين من يملك أكبر عدد من المهنئين، بل من يملك الشجاعة ليقف أمام الحقيقة، ولو كانت مؤلمة.

أن يقول:

نعم، لدينا خلل.

نعم، هناك فقر وبطالة وضغوط اجتماعية.

نعم، هناك أسر تتعب، وشباب يضيعون، ومخدرات تدق أبواب بيوتنا، وبيوت تتصدع، وأحلام تتساقط.

ثم يبدأ بالعمل.

لا بالتصريحات.

لا بالصور.

لا بالمجاملات.

لا نريد مسؤولًا يبحث عن التصفيق…

نريد مسؤولًا يستحقه.

فنحن لم نفقد حبنا لهذا الوطن.

وما زلنا، رغم كل هذا التعب، أولئك الذين يحلمون بأن يروا وطنهم أجمل، وأكثر عدلًا، وأكثر رحمةً بأبنائه.

ما زلنا نؤمن أن الأردن يستحق منا الكثير، وأن أبناءه يستحقون حياةً أفضل.

لكن الوطن لا يحتاج منا أن نصفق له فقط…

الوطن يحتاج منا أن نخاف عليه.

فيا من تباركون المناصب وتقولون:
"المناصب تليق بكم"…

قولوا أيضًا لمن تسلم المنصب:

الوطن أمانة في أعناقكم.

قولوا له إن وراء كل رقمٍ في موازنة الدولة إنسانًا.

ووراء كل قرارٍ أسرة.

ووراء كل تقصيرٍ وجعًا.

ووراء كل نجاحٍ حقيقي وطنًا كاملًا يستعيد شيئًا من الأمل.

اتقوا الله في وطننا…

فهذا الوطن ليس صورةً نضعها في منشور، ولا علمًا نرفعه في مناسبة، ولا كلماتٍ نكتبها في يومٍ وطني.

هذا الوطن هو خبزنا، وبيوتنا، وأبناؤنا، وذكريات آبائنا، وأحلامنا التي لم تمت رغم كل شيء.

فرفقًا به…

ورفقًا بالناس.

فقد تعب الناس من الكلام، وتعبوا من الوعود، وتعبوا من الانتظار.

ومع ذلك…

ما زال في قلوبهم مكانٌ للأمل.

وما زالوا يحلمون.

فلا تقتلوا آخر ما تبقى لهم من حلم.

بقلمي
د. مهند محمد البدادوة
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير