جفرا نيوز -
الكاتب : الدكتور عُدي تركي الفواعير
الوطن ليس قطعةً من الأرض نعيش فوقها، ولا حدودًا جغرافيةً تحيط بنا، ولا اسمًا نردده في المناسبات. الوطن أعمق من ذلك بكثير؛ إنه الذاكرة التي نحملها، والهوية التي نعتز بها، والأمان الذي نشعر به، والمستقبل الذي نريد أن نصنعه لأبنائنا.
ولذلك فإن حب الوطن لا يبدأ عندما يكبر الإنسان، ولا يظهر فجأة عندما يواجه الوطن تحديًا أو خطرًا؛ بل يبدأ منذ السنوات الأولى، عندما يتعلم الطفل معنى البيت، والأسرة، والمدرسة، والشارع، والعلم، والقصة، والإنجاز، والمسؤولية.
فالوطن الذي نريده في قلوب أبنائنا اليوم، يجب أن نزرع بذوره في تربيتهم منذ الصغر.
إن أعظم ما يمكن أن نقدمه لوطننا ليس فقط أن نحبّه نحن، وإنما أن نُنشئ جيلًا يعرف لماذا يحب وطنه، ويدرك أن الانتماء ليس كلمة تُقال، وإنما سلوك ومسؤولية وعطاء.
الانتماء يبدأ من الأسرة
الطفل لا يتعلم حب الوطن من الكتب وحدها، وإنما يراه في عيون والديه ويسمعه في حديثهما ويشاهده في سلوكهما.
عندما يرى الطفل والده يحترم القانون، ويحافظ على الممتلكات العامة، ويؤدي عمله بإخلاص، ويحترم الآخرين، ويعتز بوطنه، فإنه يتعلم درسًا وطنيًا قد يكون أقوى من عشرات المحاضرات.
وعندما يرى أمه تتحدث عن وطنها باعتزاز، وتعلّمه احترام العلم، وتروي له قصص الوطن وإنجازاته، فإنها لا تقدم له معلومات فقط؛ بل تبني داخله شعورًا بالانتماء.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يحب أبناؤنا الوطن؟
بل: ماذا نفعل نحن حتى يصبح الوطن جزءًا من وجدانهم؟
أن نعلّمهم أن الوطن مسؤولية
من الخطأ أن نختصر حب الوطن في رفع العلم، أو ترديد الأناشيد، أو الاحتفال بالمناسبات الوطنية، رغم أهمية هذه المظاهر.
حب الوطن الحقيقي يظهر في التفاصيل الصغيرة: أن تحافظ على نظافة المكان العام، وتحترم القانون حتى عندما لا يراقبك أحد، وتؤدي عملك بإتقان، وتحترم من يخدم المجتمع، وتحافظ على الممتلكات العامة، وتساعد من يحتاج إليك، وتجتهد في دراستك وعملك لأن نجاحك جزء من نجاح وطنك.
عندما يفهم الطفل هذه المعاني، يصبح الانتماء بالنسبة إليه سلوكًا يوميًا وليس شعارًا موسميًا.
التضحية من أجل الوطن تبدأ بالعطاء
عندما نتحدث مع أبنائنا عن التضحية من أجل الوطن، ينبغي ألا نحصر معناها في أصعب صورها فقط.
فالتضحية لها صور كثيرة؛ قد تكون في أن يختار الإنسان المصلحة العامة على مصلحته الشخصية، أو أن يجتهد الطالب رغم الصعوبات، أو أن يؤدي الموظف واجبه بأمانة، أو أن يقف الإنسان إلى جانب وطنه في الأزمات، وقد تبلغ التضحية أعلى درجاتها عندما يقدم الإنسان نفسه دفاعًا عن وطنه وأمنه وكرامته.
وهنا يجب أن يتعلم أبناؤنا أن الأوطان لا تبنى بالكلمات، وإنما بسواعد أبنائها وعقولهم وأخلاقهم وتضحياتهم.
القيادة الهاشمية في الوجدان الوطني
وفي الأردن، لا يمكن الحديث عن الهوية الوطنية بمعزل عن تاريخ الدولة الأردنية ومسيرة القيادة الهاشمية التي ارتبطت بتاريخ الوطن وبناء مؤسساته وتعزيز أمنه واستقراره.
إن غرس الوفاء للقيادة الهاشمية في نفوس الأبناء لا ينبغي أن يكون مجرد ترديد لعبارات محفوظة، بل ينبغي أن يرتبط بفهم تاريخ الأردن، ومسيرة الهاشميين، ومراحل تأسيس الدولة، والتحديات التي واجهها الأردن، والجهود التي بذلت في سبيل المحافظة على أمنه واستقراره.
فالطفل الذي يعرف تاريخ وطنه بصورة صحيحة، ويفهم مسيرة دولته، ويعرف رموزها وتضحيات أبنائها، يكون أكثر قدرة على فهم قيمة الاستقرار وأهمية القيادة ومؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي لا يقوم على العاطفة وحدها، وإنما على المعرفة والوعي والإدراك.
لا نريد جيلاً يحفظ الشعارات… بل جيلاً يؤمن بالمعاني
ربما نستطيع أن نجعل الطفل يحفظ عشرات الجمل عن الوطن، ولكنه قد ينسى معظمها.
أما إذا جعلناه يعيش معنى الوطن، فسوف يبقى الوطن معه أينما ذهب.
نريده أن يعرف أن الأردن ليس فقط المكان الذي وُلد فيه، بل قصة أجداد، وتضحيات آباء، وأمان حاضر، ومسؤولية تجاه المستقبل.
نريده عندما يرى العلم الأردني أن يشعر بالفخر، وعندما يسمع اسم الأردن أن يشعر بالانتماء، وعندما ينجح أن يقول: أريد أن يكون نجاحي إضافة إلى وطني.
المدرسة شريك الأسرة في صناعة الوجدان الوطني
لا تستطيع الأسرة وحدها أن تقوم بهذه المهمة.
فالمدرسة ليست مكانًا لتلقين المعرفة فقط، وإنما مساحة لبناء الشخصية؛ فيها يتعلم الطفل معنى العمل الجماعي، واحترام النظام، وقبول الآخر، وتحمل المسؤولية، والمحافظة على الممتلكات العامة، والمبادرة، وخدمة المجتمع.
فالأجيال لا تتعلق بالأوطان لأننا أمرناها بذلك، وإنما عندما ترى في وطنها قصة تستحق أن تُحَب وتُستكمل.
الوطن لا يحتاج إلى أبناء يصفقون له فقط
الوطن يحتاج إلى الطبيب الذي يتقن مهنته، والمهندس الذي يبني بإخلاص، والمعلم الذي يصنع جيلًا، والجندي الذي يحمي الحدود، ورجل الأمن الذي يحفظ الأمن والنظام، والباحث الذي ينتج المعرفة، والطالب الذي يجتهد، والعامل الذي يؤدي عمله بأمانة.
كل واحد منا يستطيع أن يكون جنديًا في موقعه.
فليست خدمة الوطن محصورة في الزي العسكري، وليست التضحية مرتبطة بمهنة معينة.
كل عمل مخلص هو شكل من أشكال الانتماء، وكل إتقان هو مساهمة في بناء الوطن.
وفي النهاية…
إن حب الوطن أعظم من أن يكون درسًا في كتاب، وأعمق من أن يكون شعارًا في احتفال.
إنه شعور يتكون في البيت، ويتعزز في المدرسة، ويترسخ في المجتمع، ويكبر مع الإنسان حتى يصبح جزءًا من شخصيته.
فلنزرع في أبنائنا الوطن قبل أن نطالبهم بالدفاع عنه، ولنعلّمهم قيمة القانون قبل أن نطلب منهم احترامه، ولنعرّفهم بتاريخهم قبل أن نطلب منهم الاعتزاز به.
ولنعلّمهم أن الوفاء للقيادة الهاشمية ليس مجرد كلمات تتردد، بل وعي بتاريخ الدولة، واعتزاز بهويتها، ومسؤولية في المحافظة على أمنها واستقرارها ومستقبلها.
فالأوطان لا تحيا بالأرض وحدها؛ تحيا عندما يسكن الوطن في الإنسان.
وإذا استطعنا أن نجعل الأردن يسكن في وجدان أبنائنا، فقد منحنا الوطن أعظم ما يمكن أن يمنحه جيل لجيل:
إنسانًا يعرف وطنه، ويحب وطنه، ويخدم وطنه، ويضحي من أجله، ويؤمن أن مستقبل الأردن أمانة في أعناق أبنائه.
اللهم احفظ الأردن، واحفظ قيادته الهاشمية، وأدم عليه نعمة الأمن والعز والاستقرار، ووفّق أبناءه لما فيه خيره ورفعته.