جفرا نيوز -
بقلم: ياسمين عياد
تخيّل أن تستيقظ صباحًا لتجد من يبيعك سر الثراء السريع في دورة تدريبية مدتها ساعة، يُلقيها شاب يبتسم أمام سيارة فارهة استأجرها لالتقاط صورة، أو تجد من يبيعك أوهام الصحة والتجميل عبر خلطة سحرية لا تجلب إلا الحسرة؛ هذا ليس مشهدًا سينمائيًا، بل هو الواقع الذي نعيشه اليوم تحت مسمى "اقتصاد الوهم"، السوق الجديد الذي لا يبيعك سلعًا ملموسة، بل يبيعك سرابًا مغلّفًا بوعود برّاقة.
لقد تحول العالم من اقتصادٍ يبيع المنتجات الحقيقية التي تلبي احتياجاتنا، إلى سوقٍ يتاجر بعواطفنا وقلقنا، يبيعنا الشعور بالنجاح قبل أن ننجح، والشعور بالجمال قبل أن نعتني بأنفسنا، حيث تتجلى خطورة هذا الاقتصاد في استغلال حاجة الشباب وشغفهم ليروّج لفكِرة أن الوصول للقمة لا يحتاج إلى جهد أو صبر، بل مجرد كبسة زر أو شراء وصفة جاهزة، حتى أصبحت الصورة فيه أهم من الحقيقة، واستُبدل العمل الجاد الشريف بسباق محموم نحو مظاهر فارغة لا تسمن ولا تغني من جوع.
غير أن المواجهة الحقيقية لاقتصاد الوهم لا تكون بالهروب من التكنولوجيا أو إنكار الواقع، بل بتأسيس مناعة فكرية وتربوية تبدأ من داخل البيوت والمؤسسات التعليمية، فعندما نربّي أبناءنا والشباب على أن القيمة الإنسانية تُقاس بما يقدمونه من نفع حقيقي وتطوير ذاتي صادق، لا بعدد المتابعين أو بمظاهر الاستهلاك السريع، فإننا نغرس فيهم بوصلة متينة تعصمهم من الانجراف خلف الشاشات الباردة.
ولكي نترجم هذا الوعي إلى واقع ملموس، يجدر بنا تفعيل التفكير النقدي بسؤال أنفسنا قبل الشراء أو التصديق عما إذا كان المنتج يقدم قيمة حقيقية أم يستغل شغفنا وخوفنا، مع إعادة الاعتبار لقيمة السعي والمثابرة بالصبر بدلاً من الحلول السحرية العاجلة، والتمييز الواعي بين صناعة الأثر الصادق في الواقع وبين الانشغال بتلميع الصورة الرقمية؛ فالمستقبل لا يبنيه من يبيعون الهواء في طرودٍ أنيقة، بل يبنيه أصحاب العقول الراقية واليد التي تعمل، والوهم زهرة بلا رائحة تسحر العيون لبرهة ثم تذبل، أما الحقيقة فهي الغرس الصادق الذي يثمر خيرًا ويبقى أثره ثابتًا وينفع الناس.