جفرا نيوز -
الدكتورة دانييلا القرعان
في 31 تموز 1988 اتخذ جلالة المغفور له الملك الحسين قراراً تاريخياً بفك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، وكان القرار من أكثر القرارات حساسية في تاريخ الأردن الحديث، لأنه أنهى، من الناحية القانونية والإدارية، علاقة استمرت منذ وحدة الضفتين عام 1950، فهل كان فك الارتباط قراراً نهائياً في ذاته؟ أم كان وسيلة لتحقيق غاية سياسية وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره عبر منظمة التحرير؟
الملك الراحل لم يقل الأردن تخلى عن فلسطين، ولم يكن تسليماً بالسيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية، بل جاء في سياق عربي فلسطيني دولي اعتبرت منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وكان المطلوب أن تتولى مسؤوليتها الوطنية والسياسية بصورة مستقلة، بمعنى، كان هناك واقع أردني قائم، ومشروع فلسطيني يراد تمكينه، لكن في ظل أي تغير متوقع بعد انتخابات الضفة التشريعية القادمة وتصعيد الطرف الأخر، أطرح السؤال التالي: ماذا لو فشل المشروع ولم تعد المنظمة قادرة على تمثيل الفلسطينيين؟ أو انهارت السلطة، وأصبح الفلسطينيون بلا إطار سياسي يدير شؤونهم أو حماية حقوقهم؟ وماذا لو استغلت اسرائيل هذا الفراغ لفرض واقع الاستيطان والتهجير وإنهاء فكرة الدولة؟ هل يستطيع الأردن عندها أن يقول: هذا شأن فلسطيني، فنحن فككنا ارتباطنا عام 1988؟ أم تغير الظروف يفرض على الأردن أن يعيد النظر في الدور الذي اختاره لنفسه عام 1988؟ هنا من الخطأ القول إن الضفة الغربية يمكن أن تعود قانوناً إلى الأردن مجرد انهيار منظمة التحرير، بنفس الوقت، لا يمكن اعتبار قرار 1988 نصاً مقدساً يمنع من إعادة تقييم علاقة بالضفة مهما تغيرت الظروف، فالقرار كان قراراً سياسياً أردنياً واتخذ لتحقيق هدف سياسي في ظرف تاريخي محدد، لكن نقول ماذا لو تغيرت الظروف بصورة جذرية؟ اليس يصبح من حق الأردن بأن يعيد تقييم خياراته؟ فهنا المسألة تصبح أكثر حساسية، ولا أعتقد - برأيي الخاص- أن النقاش الصحيح يجب أن يكون حول (إلغاء فك الارتباط) بقدر ما يجب أن يكون حول إعادة تعريف العلاقة الأردنية – الفلسطينية بحال انهار المشروع السياسي الفلسطيني بصورته الحالية، فإذا استطاع الفلسطينيون إعادة بناء منظمة التحرير وإصلاحها أو إنشاء إطار وطني جديد قادر على تمثيلهم فلا مشكلة في استمرار الترتيب الذي نشأ بعد 1988، أما إذا انتهى التمثيل الفلسطيني فعلاً، وأصبح الفلسطينيون بلا قيادة وطنية، فلا ينبغي أن يكون الخيار تلقائياً هو ترك الضفة للفراغ، أو السماح لإسرائيل بملء هذا الفراغ، وهنا يستطيع الأردن أن يطرح نفسه من جديد، ليس باعتباره صاحب الحق التلقائي في استعادة الضفة، بل باعتباره دولة ذات علاقة تاريخية مباشرة ودولة معنية بأمنها وبمصير سكانها وبمنع تصفية القضية على حسابها.
قد تكون الصيغة الجديدة اتحاداً أو كونفدرالية أو إدارة مشتركة أو ترتيبات سياسية أخرى، شرط أن تقوم على إرادة الفلسطينيين والأردنيين معاً، لا على فرض من طرف واحد، هنا يصبح السؤال أكثر جرأة: إذا الفلسطينيون أنفسهم قالوا يوماً إن منظمة التحرير ممثلهم الشرعي، ثم أثبتت التجربة أنها لم تعد قادرة على القيام بهذه المهمة، هل يبقى الأردن ملزماً إلى الأبد بالابتعاد عن الضفة، ليصبح البديل لا سمح الله ضمها الى إسرائيل أو تهجير سكانها أو تركهم بلا تمثيل؟
في السياسة، الإجابة ليست بالضرورة نعم، فالدول لا تتخلى عن مصالحها الاستراتيجية لأن قراراً اتخذ قبل أربعة عقود، كما ان قرار فك الارتباط لم يكن قراراً بتخلي الأردن عن قضية فلسطين إنما كان إعادة توزيع للأدوار، والأردن اليوم، كما كان عام 1988، معني بمصير فلسطين، بل إن خطورة المرحلة تجعل الأردن أكثر حاجة إلى إعادة تعريف دوره، لا أقل، لكن يجب ألا نقع في وهم أن العودة الأردنية يمكن تتم بقرار أردني، فالشعب الفلسطيني هو صاحب الحق في تقرير مصيره، ولا يمكن أن يكون استعادة الدور الأردني بديلاً عن إرادته، الحل صيغة جديدة لا تعيدنا لعام 1988 أو عام 1950 إنما نشوء علاقة مختلفة ما بين الأردن وفلسطين، ليس المطلوب أن نقول أن فك الارتباط انتهى بل نقول إذا انتهت الظروف التي أنتجت فك الارتباط فمن حق الأردن والفلسطينيين ايجاد صيغة جديدة للعلاقة بينهما، هذا ليس تراجعاً عن قرار فك الارتباط، بل انقلاباً عليه، ويمكن أن يكون وفاءً لمنطقه السياسي، فإذا جاء يوم أصبح فيه التمثيل الفلسطيني عاجزاً عن القيام بوظيفته، فالبحث عن وسيلة جديدة لحماية الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، لا يعد تراجعاً عن الهدف بل هو محاولة لإنقاذه، لا يمكن أن يبقى الأردن أسير لقرار اتخذ في 1988، علينا أن نعيد قراءة التاريخ والواقع والمصالح ونبحث مع الفلسطينيين عن صيغة جديدة؟ هذا هو التحدي الذي ستفرضه الأيام القادمة، باختصار، إذا تغيرت الظروف، فمن حق الأردن يعيد تعريف دوره؛ أما شكل هذا الدور أو حدوده، فينبغي أن تحدده إرادة الأردنيين والفلسطينيين معاً.