جفرا نيوز -
محمد أبو رمان
تكشف الأرقام السياسية في استطلاع الباروميتر العربي الأخير عن مفارقة مهمة في اتجاهات الأردنيين؛ فبينما ارتفعت الثقة بالحكومة ورئيسها بصورة ملحوظة ووصلت إلى قرابة نصف الأردنيين (49 ٪ لكل منهما)، بقي مجلس النواب عند حدود 27 ٪ فقط، وهي نسبة لم تتغير فعلياً مقارنة باستطلاع أواخر 2023، بل إنّ 51 ٪ يقولون إنهم لا يثقون بالمرة بالمجلس التشريعي المنتخب.
وبخلاف ما قد يؤول البعض هذه النتائج ويرجعها إلى أسباب معينة لكنني أظن أنّ القراءة الأدق تقودنا إلى نتيجة معاكسة؛ فالمشكلة ليست في أنّ الأردنيين لا يريدون التحديث السياسي أو لا يهتمون بنتائجه، بل إنّ انخفاض الثقة بمجلس النواب يؤكد الحاجة إلى المضي قدماً في هذا المسار وتعزيزه وتطويره، لا التردد فيه أو التراجع عنه.
لا يمثل المجلس الحالي نهاية التحديث السياسي ولا مآلاته، بل هو مرحلة أولية ودرجة ما تزال بدائية في عملية يفترض أن تقود، خلال دورات انتخابية متتالية، إلى تحسين التمثيل السياسي والحزبي، وإلى أحزاب أكثر قوة واستقلالية وقدرة على التعبير عن اتجاهات المجتمع ومصالحه. لذلك فإنّ الرهان الحقيقي ليس على ما حدث في انتخابات واحدة، بل على مصداقية المسار نفسه، وعلى الالتزام بما أعلنته الدولة من زيادة نسبة التمثيل الحزبي وصولاً إلى مجالس نيابية تصبح فيها الأحزاب والكتل السياسية هي اللاعب الرئيسي، وفي مرحلة لاحقة حكومات تعكس بصورة أكبر اتجاهات الرأي العام.
يتطلب ذلك، بالضرورة، أن نترك الأحزاب تعمل وفق شروط العمل الحزبي المؤسسي الحقيقي، وأن نعزز استقلاليتها وقدرتها على تطوير خطابها وبرامجها وقواعدها الاجتماعية، لأنّ الأحزاب التي لا تمتلك مساحة حقيقية للحركة والمنافسة لن تستطيع بناء ثقة المواطنين، ولن تكون قادرة على القيام بالوظيفة المطلوبة منها في إعادة بناء العلاقة بين المجتمع ومؤسسات النظام السياسي.
لدينا في الذاكرة الأردنية مثال واضح على ذلك؛ مجلس النواب الحادي عشر في العام 1989. فما يزال الأردنيون، إلى اليوم، يستعيدون مقاطع من جلساته وخطابات نوابه على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتداولونها بشيء من الحنين إلى مرحلة شعر فيها الناس أنّ السياسة موجودة بالفعل تحت القبة، وأنّ هنالك نواباً يمثلون اتجاهات سياسية وفكرية واضحة، وأنّ البرلمان كان ساحة للنقاش السياسي الحقيقي، لا مجرد مؤسسة دستورية تؤدي وظائفها التشريعية والرقابية.
أما القول إنّ الأردنيين غير مهتمين بالسياسة، فلا أظن أنّ أرقام الاستطلاع تؤيده بالضرورة؛ صحيح أنّ 22 % فقط يقولون إنهم مهتمون بالسياسة، لكنها ليست نسبة قليلة كما قد تبدو، بل تعني أنّ هنالك كتلة كبيرة من المجتمع معنية مباشرة بالشأن السياسي، وهي نسبة لا ينبغي الاستهانة بها حتى مقارنة بمجتمعات ذات تقاليد حزبية مستقرة.
أيها السادة.. السياسة، شئنا أم أبينا، في دم الأردنيين؛ موقع الأردن الجيوسياسي، والقضية الفلسطينية، وتاريخ الدولة ورسالة الثورة العربية الكبرى، والتيارات الوطنية والقومية والإسلامية واليسارية، كلها جزء لا يتجزأ من بنية الحياة السياسية والاجتماعية الأردنية. والمجتمع الأردني، بما يتمتع به من مستويات تعليم واهتمام بالشأن العام، ليس مجتمعاً يمكن عزله عن السياسة، ولا أظن أنّ ذلك مطلوب أصلاً.
المطلوب، على النقيض من ذلك، هو تنظيم هذا الاهتمام وتأطيره وعقلنته، وهنا تأتي أهمية الأحزاب السياسية؛ فبدلاً من أن تترك الأجيال الجديدة لخطابات متطرفة أو راديكالية تختطف غضبها وأسئلتها نحو خيارات بعيدة عن الواقع، تستطيع الأحزاب الحقيقية أن تنقل هذا الاهتمام إلى برامج وسياسات، وأن تدرب الشباب على الواقعية السياسية، وعلى التفكير بما هو ممكن، وعلى العمل العام ضمن أفق القانون والدولة.
لهذا لا أقرأ نسبة الـ27 % بوصفها شهادة وفاة للتحديث السياسي، بل رسالة واضحة بضرورة استكماله. فاستعادة الثقة بالبرلمان لن تأتي من تقليل السياسة، بل من المزيد منها؛ سياسة مؤسسية حقيقية، وأحزاب مستقلة، وتمثيل أفضل، ومجلس نيابي يشعر الأردنيون مرة أخرى أنّ ما يدور تحت قبته يعنيهم، وأنّ من يجلس هناك يمثلهم بالفعل.