اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي .. اين المحفظة الوطنية للمشاريع؟

الثلاثاء-2026-09-08 02:36 pm
جفرا نيوز -
بقلم: حامد النبابته 
مستشار سابق لوزير الطاقة والثروة المعدنية
مستشار سابق في صندوق الأوبك للتنمية الدولية

 مؤتمر الاستثمار الأردني–الأوروبي المقرر عقده في البحر الميت ليس حدثًا عابرًا حيث يحظى برعايه ملكيه ساميه وبمشاركه الاتحاد الاوروبي وبمشاركه رئيسه المفوضيه الاوروبيه. إنه اختبار لما إذا كان الأردن قادرًا على تحويل لحظته السياسية إلى رأس مال فعلي، أم أنها ستمر كما مرّت لحظات كثيرة قبله: بزخم إعلامي كبير، وأثر اقتصادي محدود.

فإن نجح الأردن في إدارة هذا المؤتمر وتحقيق غاياته المستهدفة، فلن يكون ذلك نجاحًا يُحسب ليوم واحد، بل نموذجًا يرسل رسالة أبعد من الأرقام: أن الإدارة الحصيفة، حين تسندها سنوات من الاستقرار السيادي والموقع الاستراتيجي، قادرة على تحويل الثقة السياسية إلى ثقة استثمارية راسخة.

والفارق بين اللحظتين لا يُحسم بقوة الخطاب أو حجم الحضور، بل بسؤال أكثر صرامة وأقل بريقًا: هل لدى الأردن ما يستحق أن يوقّع عليه مستثمر جاد؟ فكل مؤتمر استثماري كبير يتكرر فيه السؤال نفسه بعد انتهاء الفعاليات: كم شركة حضرت؟ كم مذكرة تفاهم وُقّعت؟ كم صورة جماعية التُقطت أمام الكاميرات؟ وهي أسئلة مشروعة، لكنها ليست الأسئلة التي يكتب بها التاريخ الاقتصادي أسطره. فالمستثمر الحقيقي لا يشتري الخطاب، ولا يتأثر بالصور، ولا يوقّع نيةً مجردة. المستثمر يشتري شيئًا واحدًا فقط: الجاهزية.

ومع اقتراب موعد المؤتمر في 19 تشرين الثاني المقبل، يجدر بنا أن نطرح السؤال الذي يجب أن يحكم كل تحضير له، وهو ليس: كم شركة ستأتي؟ بل: كم مشروعًا سيكون جاهزًا فعليًا لأن يتحول من فرصة إلى صفقة؟

الجاهزية، بمعناها الدقيق الذي يفهمه كل مستثمر مؤسسي، تعني مشروعًا محددًا بدراسة جدوى قابلة للمراجعة، ونموذجًا ماليًا واضحًا، وأرضًا أو موقعًا معروفًا، وتراخيص ومسارًا قانونيًا مفهومًا، وجهة حكومية مسؤولة، وهيكل تمويل وتوزيعًا عادلًا للمخاطر، ومشترٍ محتمل للمنتج أو الخدمة حيث يلزم ذلك، وجدولًا زمنيًا واضحًا نحو الإغلاق المالي. وهو كم مشروعًا سيكون جاهزًا للتوقيع قبل المؤتمر، فالتاريخ الاقتصادي لا يسجل عدد المؤتمرات بل يسجل ما تم وما بني، وكم وظيفة خُلقت، وكم من القيمة بقي في داخل الاقتصاد الوطني. وهنا يظهر دور الفريق الاقتصادي في الإجابة على استفسارات المستثمرين، ونشر المشاريع المعدّة بالتنسيق بين الفريق الاقتصادي الحكومي وغرفتي الصناعة والتجارة والشركات الأردنية والقطاع الخاص.

 

الفارق بين الفكرة والتنفيذ

هذه العناصر مجتمعة هي الفارق بين مشروع على الورق ومشروع في طريقه إلى التنفيذ.

السؤال الذي ينبغي أن يحكم التحضير للمؤتمر ليس: كم شركة ستأتي؟
بل: كم مشروعًا سيكون جاهزًا لأن يتحول من فرصة إلى صفقة؟

التحول المطلوب هنا ليس تجميليًا، بل بنيوي: أن ينتقل الأردن من منطق الجولات الترويجية والاجتماعات ومذكرات التفاهم، إلى مسار متكامل يبدأ بالمشروع وينتهي بالتشغيل والتصدير، مرورًا بمحطات الجدوى المالية، والهيكلة، واختيار المستثمر، والفحص النافي للجهالة، والتفاوض، وترتيب التمويل، والإغلاق المالي. أي الانتقال من الدبلوماسية الاستثمارية إلى هندسة الاستثمار، ومن استقطاب الاستثمار إلى صناعة الفرصة الاستثمارية بأيدينا قبل أن نعرضها على أحد.

عمليًا، هذا يعني أن يدخل الأردن المؤتمر لا بقائمة طويلة من الأفكار والمشاريع المتناثرة، بل بمحفظة وطنية محدودة ومركّزة: منصة متكاملة للمياه والطاقة تجمع التحلية والطاقة المتجددة والتخزين في منظومة واحدة بدل عرضها كمشاريع بنية تحتية منفصلة؛ سلسلة قيمة كاملة للهيدروجين والأمونيا الخضراء تمتد من الطاقة المتجددة إلى التصدير الإقليمي؛ منصة رقمية تجمع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية بدل الاكتفاء بمركز بيانات واحد؛ والعقبة لا كميناء فحسب، بل كمنصة إقليمية متكاملة تربط الطاقة واللوجستيات والصناعة بالموقع الجغرافي الفريد الذي تملكه المدينة.

ولكل مشروع رئيسي في هذه المحفظة، ينبغي أن يُعدّ ما يمكن تسميته "جواز استثمار" لا يتجاوز اثنتي عشرة صفحة، يجيب بوضوح عن الأسئلة التي يطرحها كل مستثمر جاد: ما المشكلة التي يحلها المشروع؟ من أين تأتي الإيرادات؟ من يتحمل كل نوع من المخاطر؟ ما المطلوب من الحكومة تحديدًا؟ ومتى يمكن الوصول إلى الإغلاق المالي؟ إن غياب مثل هذه الوثيقة لكل مشروع هو ما يفسر، في كثير من الأحيان، لماذا تنتهي الاجتماعات الاستثمارية إلى اهتمام عام دون التزام فعلي.

ادوات قياس الجاهزيه للمؤتمر/ جواز الأستثمار

 

تحرص المؤتمرات الدوليه المماثله ان تضع مؤشرات لقياس جاهزية كل مشروع من مئة نقطة، يوزَّع على دراسة الجدوى والنموذج المالي والأرض والتراخيص والهيكل القانوني والمستثمر المستهدف والتمويل وتوزيع المخاطر والجهة المنفذة والجدول الزمني والدعم الحكومي. مشروع يحصل على أكثر من ثمانين نقطة جاهز للعرض على المستثمر فورًا؛ ومشروع دون الأربعين لا يزال في طور الفكرة ولا ينبغي أن يظهر على طاولة المؤتمر أصلًا. مثل هذا المؤشر يتيح للحكومة أن تعرف، بمعزل عن الحماسة السياسية، أي المشاريع جاهزة فعلًا وأيها يحتاج عملًا إضافيًا قبل أن يُعرض على أي طرف دولي.

وفي الجانب التمويلي، يكمن خطأ شائع في البحث عن ممول واحد لكل مشروع، بينما الأجدى هو بناء هيكل تمويل مدمج يجمع المنح الأوروبية وتمويل بنك الاستثمار الأوروبي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، إلى جانب الضمانات السيادية والبنوك التجارية والأسهم الخاصة وصناديق البنية التحتية ورأس المال الخليجي ووكالات ائتمان التصدير. والفكرة الجوهرية هنا أن التمويل الأوروبي لا ينبغي أن يُعامل كسقف نهائي للاستثمار، بل كأداة لتحفيز رساميل أكبر بكثير من حجمه — أي أن يكون مخفّضًا للمخاطر لا مجرد مصدر تمويل.

لكن ربما تكون الفكرة الأهم في هذا كله متعلقة بكيفية تقديم الأردن لنفسه. فالأردن سوق محدود من حيث عدد السكان، ولا يملك أكبر احتياطيات نفط أو غاز أو أكبر قاعدة صناعية إقليمية. لكنه يملك شيئًا لا تملكه دول كثيرة: الموقع. وهذا الموقع، إذا ما ارتبط بالبنية التحتية والطاقة والمياه والرقمنة واللوجستيات، يمكن أن يتحول من جغرافيا ساكنة إلى بنية اقتصادية فاعلة تصل الخليج بالعراق والمشرق بأوروبا. وهنا يتغير السؤال جذريًا: لا يعود السؤال لماذا يستثمر المستثمر في الأردن، بل لماذا لا يستخدم الأردن كنقطة انطلاق نحو المنطقة كلها؟ هذا تحول كامل في الرسالة الاستثمارية، من عرض سوق محدود إلى تقديم منصة إقليمية بلا حدود واضحة لإمكاناتها.

غير أن كل هذا يبقى بلا قيمة إن لم يُستكمل بآلية متابعة صارمة بعد انتهاء المؤتمر. فالتجربة تعلّمنا أن أخطر لحظة في أي مسار استثماري ليست لحظة التوقيع، بل الأشهر الاثنا عشر التالية لها، حين يتبخر الزخم السياسي تدريجيًا إن لم تتم إدارته. من هنا تأتي أهمية إنشاء وحدة تنفيذية مخصصة لمتابعة المسار الاستثماري لمدة لا تقل عن اثني عشر إلى أربعة وعشرين شهرًا، تصدر تقريرًا دوريًا يوثّق عدد المستثمرين والمشاريع قيد العناية الواجبة والتمويل المرتب والإغلاقات المالية المتحققة، إلى جانب لوحة قيادة وطنية بسيطة — أخضر لمشروع يسير حسب الخطة، وأصفر لعائق يحتاج قرارًا، وأحمر لمشروع متوقف يستدعي تدخلًا حكوميًا فوريًا — بحيث تصل المعلومة إلى صاحب القرار مرفقة بالمشكلة والخيارات والموعد النهائي، لا كتقرير إحصائي بارد.

الخاتمة

 

لا يقاس نجاح مؤتمر كهذا بعدد من حضر، ولا بعدد الصور التي التُقطت على شاطئ البحر الميت، ولا حتى بعدد مذكرات التفاهم الموقعة. يقاس بثلاثة أرقام فقط: كم تبلغ قيمة المحفظة الاستثمارية القابلة للتطوير؟ وكم منها أصبح جاهزًا فعليًا للتمويل؟ وكم منها وصل إلى الإغلاق المالي الفعلي؟ فالتاريخ الاقتصادي لا يسجل عدد المؤتمرات، بل يسجل ما بُني، وكم استُثمر، وكم وظيفة خُلقت، وكم من القيمة بقي فعليًا داخل الاقتصاد الوطني.

التحدي الحقيقي أمام الأردن ليس أن يجد المستثمر — فالمستثمرون يبحثون دائمًا عن فرص واعدة، والموقع الأردني نفسه إغراء كافٍ لجذب الاهتمام.

التحدي الحقيقي هو أن يكون الأردن جاهزًا في اللحظة التي يصل فيها ذلك المستثمر إلى الطاولة، بملف كامل لا بفكرة عامة. وهذه، في التحليل الأخير، هي المسافة الحقيقية بين مؤتمر ناجح في يومه، ومؤتمر يغيّر مسار اقتصاد بأكمله.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير