اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

البطولة الحقيقية

الثلاثاء-2026-09-08 12:25 pm
جفرا نيوز -
البطولة الحقيقية

هناك أبطال نعرفهم من كتب التاريخ…

وأبطال نسمع عنهم في الحكايات…

وأبطال نصنعهم في خيالنا، نمنحهم القوة الخارقة، ونتخيلهم لا ينكسرون ولا يبكون ولا يتعبون.

لكنني اليوم لا أريد أن أحدثكم عن بطلٍ من التاريخ، ولا عن شخصية من نسج الخيال.

أريد أن أحدثكم عن أبطال عاشوا بيننا… ومارسوا البطولة بصمت.

أريد أن أحدثكم عن قصة امتدت تسعًا وخمسين سنة.

تسعًا وخمسين سنة ليست مجرد رقم.

إنها أكثر من واحد وعشرين ألف يوم من الحب والصبر والانتظار والخوف والرجاء.

أكثر من واحد وعشرين ألف صباح ومساء، كانت فيها هناك عائلة تستيقظ لتعتني بإنسان أحبته حتى أصبح جزءًا من نبضها.

كان هناك أب اسمه شاكر، وأم اسمها جهاد، وصبية جميلة اسمها سهير، وشاب فتي اسمه زيد.

ثم جاء رعد…

ذلك الطفل الذي لم يكن يعرف يومها أن حياته ستغير حياة كل من حوله.

كان طفلًا صغيرًا، يحمل في وجهه براءة لا تعرف شيئًا عن قسوة الدنيا.

تعلّق به أبوه وأمه.

احتضناه كما يحتضن الوالدان فلذة كبدهما.

فرحا بقدومه، وحلّق قلبهما بأحلام المستقبل.

ثم جاءت اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء…

اكتشفوا أن رعد مصاب بمتلازمة داون.

وربما في تلك اللحظة سقطت أشياء كثيرة من حولهم…

أحلام كانوا قد رسموها…

توقعات للمستقبل…

أسئلة لا تجد جوابًا…

وخوف من مجتمع لا يرحم المختلفين.

لكن شيئًا واحدًا لم يسقط.

الحب.

الحب بقي.

بل ربما ولد من جديد.

ومن هنا بدأت البطولة.

لم يقلوا: لماذا نحن؟

لم يبحثوا عن طريق للهروب.

لم ينظروا إلى رعد باعتباره مشكلة يجب احتمالها.

نظروا إليه باعتباره ابنهم… وأخاهم… وروحًا أرسلها الله إلى بيتهم.

ومضت الأيام.

وكبر رعد.

وكبرت معه المسؤولية.

كبرت احتياجاته، وكبرت معها قلوبهم.

ومرت سنة…

ثم عشر…

ثم عشرون…

ثم ثلاثون…

ثم أربعون…

حتى أصبح الرقم تسعًا وخمسين سنة.

تسع وخمسون سنة!

هل يستطيع أحد أن يتخيل معنى أن تكرّس جزءًا هائلًا من عمرك لإنسان تحبه؟

أن تكون عينه حين لا يرى؟

ويده حين يحتاج يدًا؟

وصوته حين يعجز عن التعبير؟

وأن تحمل قلقه معك أينما ذهبت؟

أن تنام وأنت تفكر فيه…

وتستيقظ وأول ما يخطر في بالك هو: كيف حال رعد؟

هذه ليست عاطفة عابرة.

هذه حياة كاملة من الوفاء.

أما جهاد…

فيا لهذه الأم.

هناك أمهات يربين أبناءهن حتى يكبروا ويستقلوا ويصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم.

لكن جهاد عاشت أمومتها بطريقة مختلفة.

كانت تعرف أن رعد سيحتاجها أكثر من غيره.

فأعطته من عمرها…

ومن راحتها…

ومن قلبها…

ومن نومها…

ومن قلقها…

ومن كل شيء تستطيع الأم أن تعطيه.

وكم من ليلة ربما نام فيها رعد مطمئنًا لأن أمه كانت بجواره، بينما كانت هي تخفي خوفها كي لا يشعر.

الأم تستطيع أن تبكي في الظلام…

ثم تخرج إلى ابنها في الصباح بابتسامة.

وهذه هي جهاد.

وأما زيد…

فهو ليس مجرد أخ في هذه القصة.

زيد رجلٌ كتب معنى الأخوة بأفعاله.

لم تكن الأخوة عنده كلمة تقال في المناسبات.

كانت موقفًا.

كانت مسؤولية.

كانت عمرًا.

كان يستطيع أن يقول: "لقد فعلت ما يكفي."

لكنه لم يفعل.

كان يستطيع أن يترك الحياة تمضي ويعيش لنفسه.

لكنه اختار أن يبقى في دائرة رعد، يحمل معه شيئًا من أثقاله، ويمنحه شيئًا من قوته.

وهناك نوع من الرجال لا تعرف قيمتهم إلا عندما تنظر إلى ما فعلوه حين لم يكن أحد يصفق لهم.

زيد من هؤلاء.

ثم تأتي سهير…

سهير التي لم تكن بالنسبة لرعد مجرد أخت.

كانت دفء البيت.

كانت تلك المساحة الآمنة التي يستطيع أن يكون فيها رعد كما هو، دون خوف، ودون أن يضطر إلى تفسير نفسه لأحد.

كم مرة ضحكت معه؟

وكم مرة احتضنته؟

وكم مرة أخفت دمعة حتى لا يشعر؟

وكم مرة كان وجوده في حياتها سببًا في تعب لا يراه الناس، وسعادة لا يفهمها إلا من عاشها؟

سهير لم تحمل أخاها فقط… حملت معه قصة عمر.

أما شاكر…

ذلك الأب الذي رحل عن الدنيا، فقد ترك خلفه إرثًا لا يقاس بالمال.

ترك عائلة تعلّمت أن الحب مسؤولية، وأن الإنسان لا يُترك عندما يصبح الطريق أصعب.

رحل شاكر، لكن الحكاية لم تنته.

بقي رعد…

وبقيت جهاد…

وبقي زيد…

وبقيت سهير…

وبقي الوفاء.

وهنا، اسمحوا لي أن أقول شيئًا ربما ننساه كثيرًا:

رعد لم يكن وحده من احتاج إلى هذه العائلة.

هذه العائلة أيضًا كانت تحتاج إلى رعد.

كان رعد يعلمهم الصبر دون أن يتكلم.

ويعلمهم الرحمة دون أن يشرح.

ويذكرهم كل يوم بأن الإنسان لا تزداد قيمته بما يملك، ولا بما يستطيع، ولا بما يقوله الناس عنه.

إنما بقلبه.

وبراءته.

وقدرته على أن يحب.

ربما ظن البعض يومًا أن رعد جاء إلى هذه الدنيا ليكون اختبارًا لعائلته.

لكنني أراه اليوم بشكل مختلف…

ربما جاءت هذه العائلة إلى الدنيا لتكون اختبارًا للإنسانية كلها.

هل نستطيع أن نحب دون شروط؟

هل نستطيع أن نبقى حين يصبح البقاء صعبًا؟

هل نستطيع أن نحترم الإنسان المختلف؟

هل نستطيع أن نرى الروح قبل أن نرى الجسد؟

جهاد وزيد وسهير أجابوا عن كل هذه الأسئلة دون أن يتحدثوا.

أجابوا عنها بتسع وخمسين سنة من الحياة.

ولهذا…

حين نقف أمام هذه القصة، لا ينبغي لنا أن نشفق على رعد.

بل ينبغي أن نقف احترامًا أمامه.

واحترامًا أمام أمه جهاد.

واحترامًا أمام زيد.

واحترامًا أمام سهير.

هؤلاء لم يعيشوا حياة مثالية بلا تعب.

بل عاشوا حياة حقيقية…

فيها الخوف والدموع والإرهاق، لكنهم في كل مرة كانوا يختارون الحب من جديد.

وهنا تكمن البطولة.

أن تبكي… ثم تكمل.

أن تتعب… ثم تحمل.

أن تخاف… ثم تطمئن من تحب.

أن تنكسر من الداخل… ثم تبتسم في وجه من يحتاج إليك.

هذه هي البطولة التي لا يكتب عنها التاريخ كثيرًا.

بطولة البيوت.

بطولة الأمهات.

بطولة الإخوة.

بطولة الذين يسهرون حين ينام الجميع.

والذين يقلقون حين يطمئن الجميع.

والذين يحملون همّ إنسان في قلوبهم، ولا يطلبون من الدنيا شيئًا سوى أن يكون بخير.

اليوم، وبعد تسع وخمسين سنة، أقف أمام هذه الحكاية عاجزًا عن قول الكثير.

فبعض القصص لا تُروى بالكلمات…

بعض القصص تُروى بالدموع.

رعد…

يا من كنت طفلًا صغيرًا ذات يوم، فأصبحت اليوم عمرًا كاملًا في قلوب من أحبوك…

أسأل الله أن يحفظك.

أن يطمئن قلب أمك جهاد.

أن يحفظ زيدًا وسهير.

وأن يرحم شاكر رحمة واسعة، ويجعل ما تركه من حب ووفاء في ميزان حسناته.

اللهم إني أسألك لرعد السلامة والعافية، وأن تكتب له أيامًا هادئة مطمئنة، وأن تحيطه برحمتك ومحبة أهله، وأن تمنح جهاد وزيد وسهير القوة والصبر والطمأنينة.

وإن كان للحب عمر…

فحب هذه العائلة عمره تسع وخمسون سنة.

وإن كان للوفاء شكل…

فهو جهاد وزيد وسهير.

وإن كانت للبطولة صورة لا يحمل صاحبها سيفًا ولا ميدالية…

فهي صورة عائلة قالت للحياة:

هذا رعد…
وهذا ابننا وأخونا…
وسنبقى معه ما بقي في العمر عمر.

رحم الله من رحل، وحفظ الله من بقي،
وحفظ رعد وألبسه ثوب الصحة والسلامة.

بقلمي 
د. مهند محمد البدادوة
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير