جفرا نيوز -
موفق سليمان العبادي
في إدارة الدولة، لا تتشابه المواقع في طبيعة مسؤولياتها، كما لا تكفي الكفاءة الإدارية وحدها لشغل بعضها. فهناك مواقع تحتاج، إلى جانب الخبرة، إلى الثقة والقدرة على فهم الدولة والمجتمع معا، والتعامل مع الملفات والناس بحس عال من المسؤولية، خصوصا عندما يكون الموقع على تماس مباشر مع رأس الدولة والمواطن في آن واحد.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة رئيس الديوان الملكي الهاشمي يوسف حسن العيسوي.
فالعيسوي، قبل أن يكون رئيسا للديوان الملكي، هو خيار جلالة الملك، والثقة التي أودعت فيه لم تأت من فراغ، بل تراكمت عبر سنوات من العمل والمعرفة بطبيعة الرجل وقدرته على تحمل مسؤوليات موقع بالغ الحساسية.
ومنذ توليه موقعه، تعامل العيسوي مع رسالة التكليف الملكي باعتبارها دستور عمل يوميا، لا نصا بروتوكوليا ينتهي أثره بانتهاء المناسبة. فكانت مضامينها إطارا لأدائه، وفي مقدمتها أن يبقى الديوان الملكي قريبا من المواطنين، مستمعا إليهم، ومتابعا لقضاياهم واحتياجاتهم، وأن تنقل صورة الميدان إلى جلالة الملك بأمانة ووضوح.
ولعل إحدى أبرز سمات تجربته في هذا السياق، التزامه بتنفيذ التوجيه الملكي بأن يكون الديوان قريبا من الأردنيين، يسمع منهم وينقل صوتهم ويتابع احتياجاتهم. ولهذا ظل العيسوي حاضرا في المحافظات والبوادي والمخيمات، وبين الفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والشبابية والنسائية، وفي بيوت الأردنيين في أفراحهم وأتراحهم وظروفهم الإنسانية، بوصف ذلك جزءا من مسؤوليته في ترجمة التوجيهات الملكية إلى حضور ومتابعة على الأرض.
وهو في ذلك لم يحاول أن يصنع لنفسه حضورا منفصلا عن المؤسسة التي يمثلها، أو أن ينسب لنفسه ما يتم إنجازه. فقد ظل حريصا على وضع الأمور في سياقها الصحيح: التوجيه لجلالة الملك وسمو ولي العهد، والمسؤولية تقع على عاتق من يكلف بتنفيذه ومتابعته.
وتكمن قيمة هذه التجربة أيضا في أن المعرفة بالناس لا تصنعها التقارير وحدها، كما أن الثقة لا تبنى من خلف المكاتب. فسنوات التواصل المباشر تمنح المسؤول معرفة بتفاصيل المجتمع وتنوعه، وبطبيعة احتياجات المواطنين واختلاف أولوياتهم، وتراكم خبرة يصعب اختزالها في مسمى وظيفي أو نقلها بمجرد قرار إداري.
ورغم ذلك، ظل اسم العيسوي بين حين وآخر حاضرا في أحاديث وتكهنات تتناول التغيير. وهي أحاديث ليست استثنائية في الحياة العامة؛ فالمناصب بطبيعتها ليست دائمة، والتغيير سنة في مؤسسات الدولة.
لكن السؤال الأكثر موضوعية ليس إن كان مسؤول ما سيبقى أو سيرحل، بل متى يكون التغيير مصلحة، ومتى تكون الاستمرارية أكثر نفعا للمؤسسة؟
فالاستمرار ليس جمودا بالضرورة، كما أن التغيير ليس تطويرا لمجرد أنه تغيير. وقد تصبح الخبرة التي تراكمت عبر سنوات، وشبكة المعرفة بالميدان والملفات والناس، رصيدا مؤسسيا من الحكمة المحافظة عليه ما دامت المصلحة العامة تقتضي ذلك.
وهذا لا يضع أي مسؤول فوق النقد أو التغيير؛ فالدولة أكبر من الأشخاص، والمؤسسات أبقى من شاغلي مواقعها. وقد يأتي من يتولى المسؤولية مستقبلا بكفاءة واقتدار، فالقرار في النهاية لجلالة الملك، وهو صاحب التقدير في الاختيار كما كان صاحب القرار في تكليف العيسوي.
لكن ثمة فارقا بين تغيير الاسم واستبدال التجربة. فالخبرة المتراكمة والعلاقات الإنسانية والمعرفة الدقيقة بالمجتمع لا تنتقل تلقائيا من مسؤول إلى آخر.
ولعل أهم ما يحسب للعيسوي أنه أدرك حدود موقعه قبل صلاحياته؛ فلم يجعل من قربه من مركز القرار عنوانا لحضور شخصي، بل بقي حريصا على أن يكون ناقلا أمينا للرسالة الملكية ومنفذا لتوجيهاتها.
وهنا تتجاوز تجربة يوسف العيسوي الحديث عن شخص أو منصب أو شائعة تغيير، لتطرح سؤالا أوسع في إدارة الدولة: كيف نحافظ على الخبرة عندما تتحول إلى قيمة للمؤسسة؟
فليس كل بقاء جمودا، وليس كل تغيير تطويرا، وأحيانا تكون المصلحة العامة في استمرار تجربة أثبتت قدرتها على حمل الأمانة، ما دامت تحظى بالثقة وتؤدي المهمة التي أوكلت إليها.
*مواطن لم يلتق العيسوي البتة*