جفرا نيوز -
الدكتورة دانييلا القرعان
أن ترى قططاً مسالمة تجوب أحد أحياء العاصمة عمّان تبحث عن لقمة أو قطرة ماء، ثم تكتشف بأن يداً مجهولة قررت بأن تضع لها السم في الطعام، فتقتلها ببطء وألم ...… فهنا لا يعود الأمر مجرد نفوق حيوانات، ولا مجرد مشكلة قطط شوارع، بل يصبح السؤال أخلاقياً وإنسانياً كبيراً: أي قسوة هذه التي تجعل إنساناً أن يتعمد تسميم مخلوقات لا تملك الدفاع عن نفسها؟
ما يُتداول عن تسميم القطط في بعض أحياء العاصمة، إن ثبت، يستحق الإدانة والتحقيق الجاد، ليس فقط لأن قتل الحيوان أو تعذيبه سلوك مرفوض، وإنما لأن استخدام السموم في الأحياء السكنية قد يتحول إلى خطر يتجاوز الحيوان نفسه، وقد يمس الإنسان والبيئة والصحة العامة.
القطط ليست كائنات عبثية في مدننا وجودها جزء من منظومة بيئية بسيطة يعرفها أهل الأحياء جيداً؛ فهي التي تفترس الفئران والقوارض والحشرات وتؤدي دوراً طبيعياً في الحد من انتشارها وعندما نقتل القطط بطريقة جماعية وعشوائية، فنحن لا نحل المشكلة بالضرورة، بل قد نفتح الباب لمشكلة أخرى: من سيأكل الفئران بعد غياب القطط؟
القوارض لا تحتاج إلى دعوة كي تنتشر ... يكفي بأن تجد الغذاء والمأوى وأن يغيب عنها أحد أهم مفترساتها الطبيعية، حتى تبدأ أعدادها بالازدياد... ومع ازدياد القوارض تزداد المخاطر المرتبطة بتلوث الأغذية ونقل الملوثات والأمراض، ويصبح ما ظنه البعض «حلاً سريعاً» سبباً لمشكلة بيئية وصحية أكبر.
ثم إن السم لا يعرف القط الذي وُضع من أجله، فقد تقترب منه حيوانات أخرى، قد يعبث به طفل ويصل إلى حيوانات منزلية، وقد تلتهمه كائنات أخرى فتدخل السموم في السلسلة الغذائية، ولذلك، فإن استخدام السم في الأماكن العامة ليس مجرد فعل قاسٍ تجاه حيوان؛ إنه سلوك يجب أن يُنظر إليه أيضاً من جهة السلامة العامة.
والأشد إيلاماً أن القط لا يموت بالضرورة لحظياً.. قد يظل يتلوى ويتألم ساعات يبحث عن مكان يختبئ فيه، ولا يفهم لماذا تحول الطعام الذي اعتاد أن يجده لوسيلة قتل، فأي قلب يحتمل ذلك؟
لقد عرف مجتمعنا، دينياً وأخلاقياً، معنى الرفق بالحيوان قبل أن تتحدث القوانين الحديثة عن حقوق الحيوان، وجميعنا قرأنا في الموروث الإسلامي قصة المرأة التي عُذبت بسبب هرة حبستها حتى ماتت، وهي قصة تختصر معنى عظيماً، الرحمة لا تتجزأ، والقسوة على مخلوق ضعيف ليست أمراً هيناً.
بصفتي قانونية أقول، القانون الأردني لم يتجاهل هذه المسألة؛ فالمادة 472 من قانون العقوبات تجرّم صوراً من إساءة معاملة الحيوانات الأليفة والداجنة وتعذيبها، وأكد تصريح لوكالة الأنباء الأردنية أن التشريع الأردني يتضمن حماية للحيوانات، وإن كانت هذه الحماية بحاجة لمراجعة وتطوير لتتناسب مع جسامة بعض صور الاعتداء عليها، لكن القضية أكبر من نص قانوني وعقوبة، إنها قضية تربية مجتمع، فالذي يتعلم من أن الحيوان روح تشعر بالألم، وأن الرحمة به خلق، سيكون أرحم بالإنسان أيضاً، أما الذي يعتاد على رؤية حيوان يتعذب ولا يحرك ساكناً، قد يفقد شيئاً من حساسيته تجاه الألم عموماً، ولذلك فإن المطلوب ليس ترك القطط تتكاثر بلا تنظيم، ولا تجاهل شكاوى السكان، ولا تحميل المواطن مسؤولية مشكلة تحتاج إلى معالجة مؤسسية، فالمطلوب هو حل حضاري تنظيم أعداد القطط، التعقيم، الرعاية، والتعامل البيطري والإنساني، والتنسيق بين البلديات والجهات البيطرية والجمعيات المختصة، بدل اللجوء إلى السم والقتل العشوائي.
وإذا كانت هناك شكاوى حقيقية من أعداد القطط أو ما تسببه من إزعاج، لتكن هناك معالجة علمية أما أن نختصر المشكلة في كيس سم يُلقى في شارع أو بين البيوت، فهذه ليست إدارة لمشكلة، بل صناعة لمشكلة أخرى، أنا لا أطالب بأن تصبح عمّان مدينة للقطط، وإنما أطالب ألا تتحول عمّان إلى مدينة يموت فيها الحيوان لأنه أضعف من أن يدافع عن نفسه، من هنا، أي حادثة تسميم جماعي للقطط ينبغي ألا تمر كأنها حادثة عابرة، يجب التحقق منها وحصر المسؤول عنها إن أمكن، والتعامل معها وفق القانون، خصوصاً إذا استُخدمت مواد سامة في أماكن يمكن أبن تصل إليها الحيوانات الأخرى أو الأطفال، فالرحمة ليست ترفاً، والرفق بالحيوان ليس قضية هامشية، وحماية البيئة ليست شعاراً، وفي النهاية، سيبقى السؤال الذي يجب أن يؤلم ضمير كل واحد منا: إذا كنا قادرين على قتل مخلوق مسالم لا يؤذينا، فقط لأنه أضعف منا … فماذا بقي في قلوبنا من معنى الرحمة؟