جفرا نيوز -
بقلم: محمد أبوسماقة
عندما كنت في التاسعة عشرة من عمري، وفي بدايات بلاط الصحافة، كنت مندوبًا لصحيفة «صوت الشعب» في محافظة المفرق. كانت الصحافة يومها عالمًا جديدًا أكتشفه بشغف، وكانت فرصة الحصول على تصريح خاص من مسؤول كبير تعني الكثير لصحفي شاب ما زال يخطو خطواته الأولى.
وفي إحدى الزيارات الميدانية لمعالي زهير ملحس، الذي كان يومها وزيرًا للصحة، إلى البادية في محافظة المفرق، حظيت بلقاء صحفي خاص معه. كان لقاءً أعتز به حتى اليوم، ليس فقط لأنه منحني سبقًا صحفيًا، وإنما لأن الرجل تعامل مع الصحفي الشاب باحترام وثقة. وقد نشرت صحيفة «صوت الشعب» اللقاء في صفحتها الأولى باعتباره تصريحًا خاصًا وحصريًا.
مرت السنوات، وكبر ذلك الصحفي الشاب، وتبدلت الأيام والمواقع، وتراكمت في الذاكرة لقاءات كثيرة مع مسؤولين وشخصيات عامة، لكن بعض اللقاءات تبقى مختلفة، لأنها ترتبط بمرحلة عمرية وبدايات لا تنسى.
واليوم، وأنا ألتقي معالي عمر ملحس، وجدتني أعود بذاكرتي إلى ذلك اللقاء القديم مع والده، وكأن الزمن رسم دائرة جميلة بين الأمس واليوم.
لم أجد أمامي فقط رجلًا يحمل تجربة طويلة في عالم المصارف والاقتصاد والعمل العام، وإنما وجدت إنسانًا لفتني فيه ما هو أبعد من السيرة المهنية؛ الأصالة في التعامل، وحفاوة الاستقبال، والتواضع، واحترام الآخر.
وعمر ملحس صاحب تجربة مهنية ثرية، بدأها في القطاع المصرفي، وتدرج في مواقع مختلفة حتى تولى مواقع قيادية، وصولًا إلى إدارة بنك الإسكان للتجارة والتمويل. ثم انتقل إلى العمل العام وزيرًا للمالية، حاملاً معه خبرة طويلة في الإدارة المالية والمصرفية، قبل أن يواصل حضوره في المجال الاقتصادي والمالي، ويتولى اليوم رئاسة مجلس إدارة صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، وهو موقع يحمل مسؤولية وطنية واقتصادية كبيرة، ترتبط بإدارة واستثمار أموال الضمان والحفاظ على استدامتها وتنميتها لمصلحة الأردنيين.
لكنني، وأنا أكتب عن عمر ملحس، لا أريد أن أستعرض المناصب بقدر ما أريد أن أتحدث عن الإنسان.
فالمناصب يمكن أن تسجلها السيرة الذاتية، ويمكن أن تحفظها الوثائق، لكن الإنسان لا تعرفه إلا عندما تلتقيه.
وفي لقائي الأخير به، كان الاستقبال أول ما ترك في نفسي أثرًا طيبًا. هناك من يستقبلك لأن الموقع يفرض عليه ذلك، وهناك من يستقبلك لأن احترام الناس جزء من تربيته وشخصيته.
وعمر ملحس من النوع الثاني.
حفاوة بلا تكلف، ودفء في الحديث، وبساطة لا تتناقض مع مكانة الرجل ومسيرته. وهذه التفاصيل، وإن بدت صغيرة، هي التي تكشف معدن الإنسان.
وربما لهذا السبب عادت إلى ذاكرتي صورة والده زهير ملحس، يوم كنت شابًا في التاسعة عشرة، أقف في بداية الطريق الصحفي وأحاول أن أصنع لنفسي اسمًا في مهنة أحببتها منذ البداية.
لا أضع الأب والابن في مقارنة، فلكل منهما تجربته وزمانه ومسيرته، لكنني أتوقف عند قيمة واحدة بقيت حاضرة في ذاكرتي: احترام الإنسان للإنسان.
وهذه القيمة، في تقديري، هي واحدة من أجمل صور الأصالة الأردنية.
فكلمة «أصيل» ليست مجرد كلمة تقال للمجاملة. إنها شهادة على السلوك، وعلى التربية، وعلى طريقة الإنسان في التعامل مع الآخرين. والأصالة لا تظهر عندما يكون الإنسان في موقع قوة فقط، وإنما تظهر عندما لا يحتاج إلى إظهار قوته.
ولهذا قلت لعمر ملحس، وبكل صدق: أنت أصيل وابن أصيل.
قلت ذلك لأنني شعرت به، ولأن وراء العبارة ذاكرة قديمة بدأت قبل عقود، عندما كنت صحفيًا شابًا التقيت والده، ثم جاءت الأيام لألتقي ابنه اليوم، فأجد أن بعض القيم الجميلة لا تتغير مهما تغير الزمن.
لقد تغيرت الصحافة، وتغيرت أدواتها، وتبدلت الحكومات والمواقع، وكبر الصحفي الشاب، لكن ما يبقى في النهاية ليس المكتب الذي جلس فيه المسؤول، ولا المسمى الوظيفي الذي حمله، وإنما الأثر الذي تركه في نفوس الناس.
وعمر ملحس، بالنسبة لي، يمثل هذا المعنى.
رجل حمل خبرة المصرفي، ومسؤولية رجل الدولة، وما زال يحتفظ ببساطة الإنسان الذي يعرف أن قيمة الموقع لا تكتمل إلا باحترام الناس.
لذلك أكتب عنه اليوم لا باعتباره وزيرًا سابقًا أو مصرفيًا أو رئيسًا لمجلس إدارة مؤسسة اقتصادية مهمة، وإنما باعتباره إنسانًا ترك في لقاء عابر أثرًا لا يحتاج إلى كثير من الشرح.
وربما تكون أجمل الخلاصات أن الإنسان يستطيع أن يصل إلى مواقع كثيرة، وأن يحمل ألقابًا ومسؤوليات كبيرة، لكن أجمل لقب يبقى هو أن يقول الناس عنه: هذا رجل أصيل.
ومن هنا، أكررها لعمر ملحس بكل محبة وتقدير:
أصيل... وابن أصيل.
فالمنصب ينتهي، والمكتب يُغلق، والسنوات تمضي، لكن السيرة الطيبة تبقى، والذكر الجميل لا يحتاج إلى منصب كي يعيش.
وهذه، في النهاية، هي القيمة التي تستحق أن نحتفي بها في رجالنا: الكفاءة حين تجتمع مع الأخلاق، والخبرة حين يرافقها التواضع، والنجاح حين يبقى الإنسان فيه إنسانًا.