اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

النبابته يكتب "الطاقة محور هندسة الاستقطاب الاستثماري الأردني"

الأحد-
جفرا نيوز -
حامد النبابته مستشار لوزيرالطاقه ساابقا / مستشار لصندوق الاوبك سابقا

قلّما يختصر قطاع واحد معنى الدولة كمنصة استثمارية حقيقية كما تفعل الطاقة؛ فهي ليست قطاعًا من بين قطاعات، بل المحور الذي تُقاس عليه جدارة أي دولة في هذا الدور — إذ من يملك القدرة على إنتاج الطاقة وتخزينها ونقلها وتصنيع تقنياتها، يملك عمليًا مفتاح كل ملف آخر: فاللوجستيات تتحرك بالطاقة، والصناعة تُبنى عليها، والرقمنة ومراكز البيانات تُدار بها. ولهذا فإن هندسة الاستقطاب الاستثماري الأردني، مهما اتسعت ملفاتها، تبقى الطاقة عمودها الفقري ونقطة انطلاقها الطبيعية.

من يتابع المؤتمرات الاستثمارية عن قرب يلاحظ أن المشهد نفسه يتكرر في كل مرة تقريبًا: دولة تعرض مشاريعها وتطلب من الحضور أن يموّلوها. هذا هو النمط السائد، وهو نمط صحيح جزئيًا لكنه ناقص. فالدولة التي تكتفي بهذا الدور تبقى، مهما بلغت جودة عروضها، طالبة لا صانعة قرار — تنتظر دورها في قائمة أولويات الآخرين بدل أن تكون هي من يحدد شكل القائمة.

وهنا تحديدًا تكمن فرصة الأردن لكسر هذا النمط، لا بمزيد من العروض، بل بتغيير الموقع نفسه: من دولة تبحث عن تمويل لمشاريع داخل حدودها، إلى منصة يبني فيها الأوروبي والخليجي والدولي مشاريع تخدم الأردن والمنطقة معًا. موقع الأردن واستقراره وشراكاته ليست مجرد مزايا جغرافية وسياسية؛ بل أصول استثمارية يمكن تحويلها إلى قيمة اقتصادية.

لسنا هنا أمام تجميل لغوي للخطاب، بل أمام انقلاب في المعادلة، يستحق أن يُبنى عليه بجدّية — لأنه إن نجح، لن يعود الأردن بحاجة إلى دعوة الصناديق؛ الصناديق والدول ستسعى إليه.

من "استثمروا فينا" إلى "استثمروا من خلالنا"
لنبدأ من فرق جوهري بين أن تكون سوقًا مستهدفة وأن تكون منصة تشغيلية: فالسوق المستهدفة تُقاس بحجم الفرصة المحلية وحدها، فإذا كان حجمها متواضعًا، تراجعت جاذبيتها مهما بلغ استقرارها. أما المنصة التشغيلية فتُقاس بما يمر من خلالها لا بما يُستهلك داخلها فقط — بقدرتها على أن تكون نقطة انطلاق مشاريع تخدم أسواقًا أوسع بكثير من سوقها الداخلي.

ومن هنا تحديدًا يستمد موقع الأردن قيمته الحقيقية: ليس بوصفه سوقًا بعشرة ملايين نسمة، بل بوصفه نقطة وصل إلى العراق والخليج وأوروبا وشرق المتوسط والأسواق العربية. حين تُعرض الفرصة على هذا الأساس، يتغيّر السؤال الذي يطرحه المستثمر من "ما حجم السوق الأردني؟" إلى "ما الذي يمكنني الوصول إليه من الأردن؟" — وهذا سؤال من طبيعة مختلفة تمامًا، وأكثر سخاءً بكثير.

المبدأ لا يخص الاستثمار وحده
والجميل في هذا التحول أنه لا ينحصر في مؤتمرات التمويل وحدها، بل يصلح إطارًا حاكمًا لأربعة ملفات متكاملة:

في الإمدادات: الأردن ليس طرفًا يستهلك الطاقة والمياه والبضائع العابرة فقط، بل يمكن أن يكون الممر الذي تُدار من خلاله سلاسل إمداد إقليمية كاملة — نفطًا وغازًا وكهرباء وبضائع. حين يُصمَّم الممر كبنية تشغيلية موثوقة لا كخط عبور عابر، تصبح إدارته بحد ذاتها مصدر قيمة، لا مجرد رسوم مرور.

في صناعة الطاقة: المبدأ نفسه ينطبق على الإنتاج لا على العبور وحده. الأردن ليس مضطرًا لأن يبقى مستهلكًا للطاقة أو ناقلًا لها فقط، بل يمكن أن يتحول إلى قاعدة تصنيع إقليمية لتقنياتها — الخلايا الشمسية، أنظمة التخزين (BESS)، معدات الهيدروجين ومكوناته — بحيث يُصنَّع من الأردن ما تحتاجه المنطقة بدل أن يُستورد إليه فقط. هنا لا تكون المنصة خط نقل، بل قاعدة إنتاج تُدار من الأردن لصالح المنطقة، بما يحوّل صناعة الطاقة نفسها من قطاع خدمي داخلي إلى ركيزة تصديرية.

في المنشآت: مرفق مثل العقبة لا ينبغي أن يُبنى ليخدم الأردن فقط، بل ليكون بنية تشغلها أطراف إقليمية ودولية متعددة لأغراضها الخاصة — طاقة ولوجستيات ورقمنة وصناعة. المنشأة التي تُبنى كمنصة مفتوحة تجذب من يشغّلها لا من يزورها فقط.

في السياسات: الإطار التنظيمي نفسه يمكن أن يكون "منتجًا" يُصدَّر لا مجرد شرط داخلي. حين تكون البيئة التشريعية والتعاقدية مستقرة وقابلة للتنبؤ بدرجة تجعل شركات إقليمية تختار اتخاذ الأردن مقرًا لعملياتها لا لأنها ملزمة، بل لأنها تفضّل ذلك، تكون السياسة نفسها قد تحوّلت إلى أصل تنافسي.

وقد تبدو هذه الملفات الأربعة منفصلة للوهلة الأولى، لكنها تُدار جميعًا بالمنطق نفسه: لا نبني لنستخدم فقط، بل نبني ليُستخدَم من خلالنا. وهذا هو اامؤمل من الفريق الأقتصادي والتنسيق مع غرفتي الصاعه والتجاره وتزيدهم بملفات المشاريع المقترحه من الفريق وعقد الاجتماعت لدراستها واقرارها قبل وبعد ا حصول الأجتماعه مع الشركات وصناديف التمويل الأجنبيه والخليجيه.

الآلية التي تقلب المعادلة: الجهوزية + المصداقية
حين تجتمع الجهوزية المعزَّزة بالأرقام والمصداقية المبنية على التنفيذ الفعلي، يتوقف الأردن عن دعوة الصناديق — وتبدأ الصناديق بالبحث عنه.

غير أن هذا التحول لا يحدث بالخطاب وحده؛ فهناك آلية محددة تجعله ممكنًا، وهي عنصران لا يعملان إلا مجتمعَين:

الجهوزية، بمعناها الدقيق لا الدعائي: مشاريع تملك أرقامًا واضحة — تكلفة رأسمالية، إيرادات، عائدًا للمستثمر، وتوزيعًا محددًا للمخاطر — لا أفكارًا معروضة على شكل شرائح. الجهوزية هي الفارق بين قائمة نوايا وملف قابل لأن يوقّع عليه بنك.

والمصداقية، بمعناها التراكمي لا اللحظي: سجل فعلي يُظهر أن ما أُعلن سابقًا تحوّل إلى إغلاق مالي وتنفيذ

حين يجتمع العنصران، تتغيّر طبيعة العلاقة بين الدولة والمستثمر جذريًا. فالمستثمر لا يبحث عن دولة تحتاج ماله بقدر ما يبحث عن منصة تُخفّض له المخاطر وتوفّر له مسارًا واضحًا للعائد. والدولة التي توفّر هذين الشرطين معًا لا تعود بحاجة لأن تُقنع أحدًا؛ هي من يُختار.

شواهد من العالم: ليست معجزة، بل هندسة
سنغافورة لم تصبح مركزًا ماليًا وتجاريًا عالميًا بسبب حجم سوقها الداخلي — وهو محدود جدًا — بل بسبب هندسة متعمدة لموقعها كمنصة تصل من خلالها رؤوس أموال وسلع إلى جنوب شرق آسيا كاملة، مدعومة بإطار تنظيمي شديد القابلية للتنبؤ. وهولندا حوّلت ميناء روتردام إلى بوابة أوروبا الغربية لا لأن حجم اقتصادها يستوعب ما يمر عبره، بل لأنها بَنَته كبنية تشغيلية موثوقة لأطراف أخرى، عبر الجمع المستمر بين جهوزية البنية التحتية ومصداقية الالتزام التنظيمي.

القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس الحظ الجغرافي — فكثير من الدول تملك مواقع جيدة ولم تحقق النتيجة نفسها — بل الانضباط في بناء الجهوزية والمصداقية معًا، على مدى سنوات لا أشهر.

الخلاصة
الأردن، إذن، يملك بالفعل عنصر الموقع؛ وما تبقى ليس اكتشاف ميزة جديدة، بل قرار تحويل الميزة القائمة من صفة سياسية إلى أصل اقتصادي مُدار برقم وسجل تنفيذ — محفظة مشاريع قابلة للتمويل فعلًا، وفصل واضح بين ما يُعلن وما يُنفَّذ، وتراكم مصداقية يُقاس لا يُروى.

الأردن لا يبحث فقط عن تمويل لمشاريع داخل حدوده. الأردن يريد أن يكون منصة يبني فيها الأوروبي والخليجي والدولي مشاريع تخدم الأردن والمنطقة. موقع الأردن واستقراره وشراكاته ليست مجرد مزايا جغرافية وسياسية؛ بل أصول استثمارية يمكن تحويلها إلى قيمة اقتصادية — لمن يهندسها بجهوزية ومصداقية، لا لمن يكتفي بالإعلان عنها.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير