اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

التعداد السكاني بين الضرورة والواجب الوطني

Friday-
جفرا نيوز -
م. أكرم خريسات
هل نعرف الأردن الذي نخطط لمستقبله؟
قد يبدو السؤال بسيطاً: كم يبلغ عدد سكان الأردن؟ لكن الإجابة ليست مجرد رقم يوضع في جدول إحصائي، فخلف كل رقم إنسان، وخلف كل إنسان أسرة واحتياجات وطموحات، وخلف ملايين السكان دولة مطالبة بأن تخطط للتعليم والصحة والسكن والنقل والمياه والطاقة وفرص العمل والخدمات.
من هنا، فإن التعداد العام للسكان والمساكن ليس إجراءً إحصائياً روتينياً، وإنما مشروع وطني أساسي ترتبط به قدرة الدولة على التخطيط وصناعة القرار وتوجيه الموارد وتحقيق العدالة التنموية.
وفي الأردن، تزداد أهمية التعداد في ظل التحولات الكبيرة التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية. فمنذ آخر تعداد عام للسكان والمساكن عام 2015، تغيرت الكثير من المعطيات الديموغرافية والعمرانية والاقتصادية، وتوسعت المدن، وتبدلت أنماط السكن والعمل والتنقل، وظهرت تحديات جديدة تتعلق بالتغير المناخي، والموارد المائية، والازدحام المروري، والنقل العام، والتحول الرقمي، والمدن الذكية والمرونة الحضرية.
وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن أن نخطط للأردن في السنوات المقبلة إذا كانت الصورة السكانية التي نعتمد عليها في التخطيط قد مضى على جمعها أكثر من عقد؟
التعداد الحديث لا يقتصر على معرفة عدد السكان، بل يساعدنا على معرفة أين يعيشون، وأعمارهم، وحجم أسرهم، ومستويات تعليمهم، وخصائص مساكنهم، ومناطق الكثافة والنمو، وأين تزداد الحاجة إلى المدارس والمراكز الصحية والطرق والنقل والخدمات.
وهذه المعلومات هي أساس التخطيط السليم؛ فالقرار الذي لا يستند إلى بيانات دقيقة قد يكون صحيحاً من الناحية النظرية، لكنه قد لا يكون مناسباً على أرض الواقع.
والأردن ليس كتلة سكانية واحدة. فعمان تواجه تحديات التوسع الحضري والازدحام والنقل وتوزيع الخدمات، والزرقاء لها خصوصيتها الصناعية والسكانية، وإربد لها خصائصها التعليمية والاقتصادية، بينما تفرض العقبة طبيعتها السياحية والاقتصادية والجغرافية نمطاً مختلفاً من التخطيط. كما تختلف الاحتياجات بين المحافظات والمناطق الحضرية والريفية، وبين التجمعات التي تشهد نمواً سكانياً وتلك التي تعاني من الهجرة الداخلية أو محدودية فرص العمل.
ولهذا فإن البيانات الدقيقة والمفصلة مكانياً تساعد على تحقيق العدالة المكانية، بحيث لا توزع الموارد بالتساوي فقط، وإنما وفق حجم الاحتياج الحقيقي. فقد تحتاج منطقة إلى مدرسة، وأخرى إلى مركز صحي، وثالثة إلى طريق أو شبكة نقل، ورابعة إلى بنية تحتية جديدة نتيجة التوسع العمراني. والسؤال هنا: كيف نحدد الأولويات من دون بيانات؟
إن المواطن هو المستفيد الأول من التعداد. فالمعلومات التي يقدمها اليوم يمكن أن تتحول غداً إلى مدرسة أو مركز صحي أو طريق أو خدمة نقل أو مشروع تنموي. وعندما يقدم المواطن بيانات صحيحة، فهو لا يقدمها للحكومة فقط، وإنما يساهم في رسم صورة وطنه ويقول لصانع القرار: هذه حقيقتنا، وهذه احتياجاتنا، فخططوا لنا على أساس الواقع.
وفي عصر المدن الذكية، تغيرت أدوات التعداد. فقد أصبحت نظم المعلومات الجغرافية، وقواعد البيانات الرقمية، والسجلات الإدارية، والربط الإلكتروني، وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي أدوات قادرة على رفع دقة وكفاءة العمل الإحصائي.
ويمتلك الأردن تجربة مهمة في استخدام التكنولوجيا في تعداد عام 2015، ويمكن البناء عليها لإنشاء منظومة وطنية متكاملة للبيانات السكانية والمكانية، تتكامل فيها نتائج التعداد مع السجلات الإدارية والمسوح والدراسات ونظم المعلومات الجغرافية، بحيث تصبح البيانات أكثر قدرة على مواكبة التغيرات.
وهذا مهم بصورة خاصة للمدن الأردنية، لأن المدينة الذكية ليست مجرد تطبيقات وخدمات إلكترونية، وإنما مدينة تعرف سكانها وتفهم احتياجاتهم وتستخدم البيانات لتحسين جودة حياتهم.
لكن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، فنجاح التعداد يحتاج إلى ثقة المواطن. ويجب أن يكون المواطن مطمئناً إلى أن بياناته ستتعامل معها الجهات المختصة وفق الأطر القانونية، وأن الهدف منها هو الإحصاء والتخطيط وتحسين الخدمات. كما أن المؤسسات الرسمية والإعلام والجامعات والمجتمع المدني مطالبة بتوضيح أهمية التعداد وفوائده وبناء الوعي حوله.
والأهم أن لا تتوقف قيمة التعداد عند إعلان نتائجه، بل تبدأ بعدها مرحلة تحويل البيانات إلى سياسات ومشاريع وقرارات. فالبيانات التي لا تتحول إلى معرفة، والمعرفة التي لا تتحول إلى قرار، لا تحقق القيمة الحقيقية من وراء التعداد.
إن الأردن اليوم بحاجة إلى قرارات أكثر دقة، في ظل محدودية الموارد وتزايد الاحتياجات وتوسع المدن والتحديات المناخية والضغط على المياه والطاقة والحاجة إلى تطوير النقل والخدمات. وفي مثل هذه الظروف، تصبح البيانات الدقيقة ضرورة وليست خياراً.
فلا يمكن التخطيط لمدينة ذكية من دون معرفة سكانها، ولا يمكن بناء نقل عام فعال من دون معرفة توزيع السكان وحركتهم، ولا يمكن تحديد احتياجات المدارس والمراكز الصحية من دون معرفة التركيبة العمرية والجغرافية للمجتمع، ولا يمكن قياس التقدم في أهداف التنمية المستدامة من دون بيانات حديثة وموثوقة.
إن التعداد ليس عدّاً للسكان فقط، بل هو محاولة لأن نرى الأردن كما هو، لا كما نتخيله؛ أن نعرف مدننا وقرانا ومحافظاتنا، ونعرف احتياجات سكاننا، وأين تتركز فرص التنمية وأين توجد الفجوات.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى التعداد؟ فالضرورة محسومة. وإنما السؤال: هل نريد أن نخطط للأردن الذي نطمح إليه، أم نستمر في التخطيط للأردن الذي كان؟
فالأردن الذي يعرف نفسه، يعرف احتياجاته، والأردن الذي يعرف احتياجاته يستطيع أن يحدد أولوياته، والأردن الذي يحدد أولوياته على أساس البيانات يستطيع أن يوجه موارده بعدالة وكفاءة.
فالتعداد ليس عدّاً للسكان... إنه عدٌّ لاحتياجات الوطن وفرصه وتحدياته.
ضرورة للتخطيط... وحق للمواطن... وشراكة مجتمعية... وواجب وطني.
م. أكرم خريسات
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير