جفرا نيوز -
بقلم: المهندس خلدون عتمة
حين يلتقي أصحاب الخبرة والتجربة في صناعة الدراما، لا يكون اللقاء مجرد مناسبة عابرة، ولا تكون مذكرات التفاهم مجرد أوراق تحفظ في الأدراج، بل قد تتحول إلى لحظة تؤسس لمرحلة جديدة، خصوصًا إذا كان الجامع بين الأطراف ليس المصلحة الإنتاجية وحدها، وإنما الإيمان بأن الدراما جزء من هوية الوطن وصورته وحضوره العربي.
من هنا، فإن مذكرة التفاهم التي جمعت مجموعة المركز العربي الإعلامية وشركة الأولى المثالية لإدارة المشاريع تستحق أن تُقرأ من زاوية أوسع من كونها تعاونًا بين شركتين. نحن أمام التقاء خبرات طويلة، ومسارات مهنية وثقافية وإبداعية عاشت تحولات الدراما الأردنية والعربية، وعرفت زمن صعودها، كما عرفت حجم التحديات التي واجهتها في السنوات الأخيرة.
والأهم أن هذا اللقاء يأتي في توقيت باتت فيه صناعة الدراما في المنطقة تتجاوز مفهوم العمل الفني الموسمي، لتصبح جزءًا أساسيًا من صناعة الصورة الوطنية، والاقتصاد الإبداعي، والقوة الناعمة، والتأثير الثقافي والإعلامي.
وهنا تكمن أهمية الخطوة.
المركز العربي ليس مجرد شركة إنتاج في الذاكرة الأردنية والعربية، بل اسم ارتبط بأعمال تركت أثرًا واضحًا في الدراما، وأسهمت في بناء حضور واسع للممثل الأردني والمخرج الأردني والفني الأردني. تجربة امتدت على مساحة كبيرة من الإنتاج التلفزيوني، وقدمت نموذجًا أثبت أن الأردن قادر على أن يكون منصة إنتاج عربية حقيقية، لا مجرد موقع تصوير أو سوق استهلاكي للأعمال القادمة من الخارج.
وفي المقابل، فإن الأولى المثالية تتحرك من مساحة مختلفة ومكملة؛ مساحة تطوير الأفكار والمشاريع، وابتكار المحتوى، وبناء الشراكات، وفتح قنوات التسويق، وتحويل الفكرة من نص على الورق إلى مشروع قابل للتنفيذ والتمويل والعرض.
ويمثل هذه التجربة المنتج والكاتب محمد أبو سماقة، الذي راكم عبر سنوات طويلة خبرة في الكتابة والإنتاج والإعلام والعمل الثقافي، واشتغل على مشاريع درامية وإعلامية متعددة، بما جعله قريبًا من تفاصيل الفكرة والنص، وقريبًا كذلك من المؤسسات والقنوات والبيئة الإنتاجية العربية.
وعندما تتقاطع هذه الخبرات، يصبح الحديث أكبر من مسلسل أو مشروع واحد.
يصبح الحديث عن سؤال مركزي:
كيف نعيد للدراما الأردنية مكانتها الطبيعية في المشهد العربي؟
هذا السؤال لا يُطرح من باب الحنين إلى الماضي، ولا من باب استعادة زمن مضى، وإنما من باب قراءة الواقع الجديد.
الدراما اليوم أصبحت صناعة دول.
شاهدنا خلال السنوات الأخيرة كيف وضعت دول عربية الإنتاج التلفزيوني والسينمائي في قلب مشاريعها الثقافية والاستثمارية. هناك مدن تُسوَّق عبر الدراما، ولهجات تنتشر من خلالها، وتاريخ يُعاد تقديمه، وصورة وطنية تُبنى أمام ملايين المشاهدين.
المسلسل لم يعد مجرد حكاية تُعرض على الشاشة.
المسلسل اليوم قد يكون نافذة سياحية، وأداة ثقافية، ومشروعًا اقتصاديًا، ومصدر فرص عمل، ومساحة لتعريف العالم بالمكان والإنسان والهوية.
ومن هذه الزاوية، فإن الأردن يمتلك رصيدًا لا يستهان به.
لدينا بيئات تصوير شديدة التنوع، من الصحراء إلى الجبل، ومن المدن القديمة إلى المراكز الحضرية الحديثة. لدينا تاريخ غني، وسردية وطنية كبيرة، وذاكرة اجتماعية وثقافية وإنسانية تستحق أن تُروى. ولدينا قبل ذلك وبعده طاقات بشرية أثبتت حضورها عربيًا؛ ممثلون، مخرجون، كتاب، موسيقيون، مصورو صورة، مهندسو صوت، وفنيون عملوا في أهم الإنتاجات العربية.
المشكلة لم تكن يومًا في غياب الموهبة.
المشكلة في أن صناعة الدراما تحتاج إلى منظومة.
تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد، وإلى شركات قادرة، وإلى نصوص جيدة، وإلى تمويل مستقر، وإلى تسويق احترافي، وإلى شراكة حقيقية بين المنتج والقنوات والمنصات والمؤسسات الرسمية والخاصة.
ولهذا فإن القيمة الأهم في مذكرة التفاهم بين «المركز العربي» و«الأولى المثالية» تكمن في أنها تتحرك على أكثر من مسار في الوقت نفسه.
هي تجمع بين الفكرة والإنتاج.
بين المحتوى والتسويق.
بين تطوير المشروع والإسناد الفني والتنفيذي.
وبين البحث عن التمويل والوصول إلى القنوات والمنصات والأسواق.
وهذه بالضبط هي الحلقة التي افتقدتها مشاريع كثيرة؛ فكم من نص جيد لم يجد المنتج القادر على حمله؟ وكم من مشروع واعد تعثر بسبب غياب التمويل؟ وكم من عمل أُنجز فنيًا، لكنه لم يمتلك شبكة التسويق والتوزيع اللازمة للوصول؟
الدراما ليست عنصرًا واحدًا.
إنها سلسلة كاملة، وإذا تعطلت حلقة واحدة، يتعطل المشروع كله.
من هنا تبدو فكرة التكامل بين المؤسستين منطقية؛ الأولى تسهم في تطوير المشاريع والأفكار وبناء الشراكات وفتح الأبواب، والمركز العربي يمتلك خبرة فنية وإنتاجية وتنفيذية كبيرة، إلى جانب القدرة على التعامل مع تفاصيل الصناعة ومتطلباتها.
واللافت أن هذه الخطوة الأردنية تأتي في لحظة تشهد فيها المنطقة حراكًا واضحًا في ملف الدراما والإنتاج التلفزيوني.
اللقاءات والتحركات العربية في هذا القطاع لم تعد مناسبات بروتوكولية، بل أصبحت انعكاسًا لوعي متزايد بأن المحتوى ليس ترفًا، وأن الدراما أصبحت جزءًا من الأمن الثقافي وصورة الدولة وتنافسها الإقليمي.
وحين نرى دولًا عربية تفتح مساحات تعاون واسعة مع المؤسسات الإنتاجية والمنصات الكبرى، فهذا يعني أن خريطة الصناعة يعاد رسمها.
وهنا يجب أن يكون السؤال الأردني حاضرًا:
أين نحن من هذه الخريطة؟
هل نكتفي بتاريخنا الدرامي ونروي حكايات نجاح الماضي؟
أم نبني على ذلك التاريخ مشروعًا جديدًا؟
الأردن لا يبدأ من الصفر.
وهذه نقطة في غاية الأهمية.
لدينا إرث، ولدينا أسماء، ولدينا شركات، ولدينا خبرات راكمت عشرات السنوات من العمل. ما نحتاج إليه هو إعادة جمع هذه العناصر ضمن رؤية مشتركة، وتحويل الخبرات الفردية والمؤسساتية إلى قوة إنتاجية حقيقية.
ومن الجميل أن يكون عنوان هذا التقاطع هو حب الأردن.
لأن الدراما الأردنية في أزمنة ازدهارها لم تكن مجرد صناعة، بل كانت صورة للأردن في البيوت العربية. من خلالها عرف الجمهور العربي الصحراء الأردنية، واللهجة، والبيئة، والتاريخ، والإنسان. ومن خلالها أصبح الفنان الأردني حاضرًا ومحترمًا في وجدان المشاهد العربي.
وهذا الدور يجب ألا نخسره.
اليوم، المنافسة في المحتوى أكثر صعوبة من أي وقت مضى. مئات الأعمال تنتج سنويًا، والمنصات غيرت قواعد المشاهدة، والجمهور أصبح أكثر انتقائية، والتقنيات تطورت، وميزانيات الإنتاج ارتفعت.
لكن كل ذلك لا يعني أن الفرصة ضاعت.
على العكس.
إنه يعني أن الدخول إلى السوق يحتاج إلى شراكات أكثر نضجًا، وإلى فهم مختلف للإنتاج، وإلى التخلي عن فكرة العمل الفردي والارتجال الموسمي.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى مشاريع تُبنى منذ البداية على أساس واضح: نص قوي، وهوية فنية، وخطة إنتاج، وتمويل، وتسويق، وتوزيع.
والأهم أن تمتلك هذه المشاريع روحًا.
والروح التي يمكن للدراما الأردنية أن تنافس بها ليست في تقليد الآخرين، بل في تقديم ما يخصنا نحن؛ حكاياتنا، تاريخنا، مجتمعنا، تحولاتنا، صحراءنا، مدننا، وتفاصيل الإنسان الأردني.
لدينا من القصص ما يكفي لعشرات السنوات من الإنتاج.
لكن القصة وحدها لا تكفي.
يجب أن توجد إرادة لتحويلها إلى صناعة.
لهذا، فإن اللقاء بين أصحاب التجربة والخبرة اليوم يحمل دلالة مهمة. إنه يؤكد أن هناك من لا يزال يرى أن الدراما الأردنية تستحق الاستثمار، وأنها قادرة على العودة، وأن الخبرة التي تراكمت عبر العقود يجب ألا تظل مجرد ذكرى.
وقد تكون مذكرة التفاهم هذه بداية مشروع أكبر.
مشروع يستطيع أن يجمع المنتج والكاتب والممثل والمخرج والفني، وأن يفتح الباب أمام جيل جديد من المواهب، وأن يعيد بناء علاقة أكثر قوة بين صناعة الدراما الأردنية والقنوات والمنصات العربية.
فصناعة الدراما لا تبنى بالأسماء وحدها مهما كانت كبيرة، بل بتوريث الخبرة.
والقيمة الحقيقية لأي تجربة كبرى هي أن تفتح الباب لمن يأتي بعدها.
نحن بحاجة إلى أن يعمل أصحاب الخبرة مع الشباب، وأن تتحول مواقع التصوير إلى مدارس، وأن تعود شركات الإنتاج إلى الاستثمار في الطاقات الأردنية، وأن يشعر الفنان والفني الشاب أن لديه صناعة يمكن أن يبني فيها مستقبله دون أن يكون مضطرًا دائمًا إلى البحث عن فرص خارج وطنه.
وهذا أيضًا جزء من حب الأردن.
حب الأردن ليس شعارًا يرفع في المناسبات، بل أن تخلق فيه فرصة عمل، وأن تحفظ ذاكرته، وأن تقدم صورته باحترام، وأن تمنح أبناءه مساحة للإبداع.
من هنا، ربما يكون أجمل ما في هذه الخطوة أنها تعيد فتح السؤال حول مستقبل الدراما الأردنية.
والسؤال هذه المرة يجب أن يتحول إلى فعل.
لا نريد فقط أن نقول إن الأردن أنجب عمالقة في الدراما.
نريد أن نصنع عمالقة جددًا.
ولا نريد فقط أن نفتخر بأعمال صنعت تاريخًا.
نريد أعمالًا جديدة تصنع المستقبل.
ولا نريد أن تبقى الدراما الأردنية مجرد صفحة جميلة في ذاكرة الشاشة العربية.
نريدها حاضرة في الشاشة العربية اليوم وغدًا.
لهذا فإن لقاء الخبرات الكبيرة حول مشروع مشترك ليس حدثًا مهنيًا عابرًا.
إنه رسالة.
رسالة تقول إن الصناعة يمكن أن تستعيد عافيتها حين تتكامل الخبرة مع الفكرة، وحين يلتقي المنتج مع الكاتب، وحين يكون للمشروع تمويل وتسويق ورؤية، وحين يعرف الجميع أن ما يجمعهم أكبر من مسلسل واحد أو موسم واحد.
إنه الأردن.
وفي النهاية، قد تبدأ الحكاية بتوقيع مذكرة تفاهم، لكن الرهان الحقيقي هو أن تتحول هذه المذكرة إلى أعمال يراها الناس، وإلى فرص للمبدعين، وإلى حضور أردني جديد في سوق الدراما العربية.
فإذا اجتمعت الخبرة مع الإرادة، واجتمعت الفكرة مع الإنتاج، واجتمع الكبار على هدف واحد، فإن الطريق يصبح أكثر وضوحًا.
وما أجمل أن يكون الهدف هو الدراما الأردنية، وأن تكون البوصلة دائمًا: حب الأردن.
الكاتب المهندس
خلدون عتمه