اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

القطاع الخاص والبطالة... من يخلق الوظيفة ومن يملك مفتاحها؟

الثلاثاء-
جفرا نيوز -
بقلم: عوني ذنيبات

من السهل أن نقول للشباب الأردني: لا تنتظروا الوظيفة الحكومية، اذهبوا إلى القطاع الخاص. ومن السهل أيضًا أن نقول إن الدولة لم تعد قادرة على استيعاب عشرات الآلاف من طالبي العمل، وإن القطاع الخاص هو القادر على قيادة النمو وخلق فرص العمل.

لكن الصعب هو أن نسأل السؤال الذي يتجنب كثيرون الاقتراب منه: هل الوظائف التي يخلقها القطاع الخاص تصل إلى أصحاب الكفاءة، أم أن بعضها يصل إلى أصحاب العلاقات والنفوذ والقرابة؟

هذا السؤال ليس اتهامًا للقطاع الخاص، بل دفاعًا عنه وعن دوره الاقتصادي. فالقطاع الخاص النزيه والقائم على المنافسة هو أحد أهم أعمدة الاقتصاد، لكنه يفقد جزءًا من دوره التنموي عندما تصبح بعض الوظائف مغلقة أمام المنافسة الحقيقية، أو عندما تتقدم العلاقات الشخصية والعائلية على المؤهل والخبرة والقدرة.

الأرقام تقول إن سوق العمل الأردني بحاجة إلى مئات الآلاف من فرص العمل الجديدة. وقد أعلنت دائرة الإحصاءات العامة أن صافي الوظائف الجديدة خلال النصف الأول من عام 2025 بلغ 48,403 وظائف، فيما كان معدل البطالة بين الأردنيين 21.3% في الربع الأول من العام نفسه.

إذن نحن أمام معادلة واضحة: اقتصاد يحتاج إلى خلق الوظائف، وشباب يحتاجون إلى العمل، وقطاع خاص مطلوب منه أن يكون المحرك الأساسي للتشغيل. لكن هذه المعادلة لن تنجح إذا كان الشاب يشعر أن الوصول إلى الوظيفة يحتاج إلى أكثر من الشهادة والخبرة؛ يحتاج إلى قريب أو صديق أو توصية أو علاقة بمسؤول.

وهنا تصبح المسألة أخطر عندما تتقاطع المصالح الخاصة مع مواقع النفوذ العام.

فليس من المقبول أن يتحول الموقع العام، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى وسيلة لبناء شبكة مصالح خاصة، أو أن تتحول العلاقة بين مسؤول وصاحب شركة إلى باب للحصول على امتيازات أو فرص لا تتوافر للآخرين. وليس المقصود هنا اتهام كل مسؤول أو كل رجل أعمال، وإنما الحديث عن ضرورة وجود حواجز واضحة تمنع تضارب المصالح وتحمي المنافسة العادلة.

إن المواطن لا يريد أن يعرف من هو قريب صاحب الشركة، ولا من هو صديق المدير، ولا من يستطيع الوصول إلى مكتب المسؤول. يريد أن يعرف شيئًا واحدًا: ما شروط الوظيفة؟ ومن الأفضل لها؟

والأخطر من الواسطة نفسها هو أثرها النفسي والاجتماعي. فعندما يقتنع شاب بأن الوظيفة لا تذهب إلى الأكثر كفاءة وإنما إلى الأكثر قدرة على الوصول إلى أصحاب القرار، فإنه يبدأ بفقدان ثقته بالتعليم والعمل والمنافسة. وعندما تتحول هذه القناعة إلى ثقافة عامة، يصبح الضرر أكبر من مجرد حرمان شخص من وظيفة؛ لأن المجتمع يبدأ بتكريس الاعتقاد بأن العلاقات أهم من الكفاءة.

وهنا يجب أن نكون صريحين: لا يجوز أن نطالب الدولة بتقليص التوظيف العام، ثم نترك الشباب أمام سوق خاص غير شفاف. ولا يجوز أن نقول لهم "اعتمدوا على أنفسكم"، بينما قد تكون الأبواب التي يفترض أن يدخلوا منها محكومة أحيانًا بعلاقات لا يملكونها.

إن المطلوب ليس محاربة القطاع الخاص، بل تحرير القطاع الخاص من كل ما يضعف تنافسيته، ووضع قواعد واضحة للتوظيف في الشركات التي تستفيد من المال العام أو التسهيلات الحكومية أو العقود والمشروعات العامة، بحيث تكون الوظائف معلنة ومعايير الاختيار واضحة وقابلة للتدقيق.

كما أن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها. فالشركة التي توظف ابن صاحب النفوذ لأنه ابن صاحب النفوذ لا تضر شابًا آخر فحسب، بل قد تضر نفسها أيضًا؛ لأن المؤسسات الناجحة تحتاج إلى الكفاءة، لا إلى شجرة العائلة.

والأردن اليوم لا يحتاج إلى خطاب يحمّل الحكومة وحدها مسؤولية البطالة، ولا إلى خطاب آخر يحمّل الشباب مسؤولية عدم حصولهم على العمل. نحن بحاجة إلى خطاب أكثر صدقًا يقول إن خلق الوظائف مسؤولية اقتصادية مشتركة، وعدالة الوصول إليها مسؤولية وطنية وأخلاقية.

لقد انخفض معدل البطالة الإجمالي إلى 16.1% في الربع الأول من 2026، وهو تطور إيجابي، لكن استمرار البطالة بين الأردنيين بمستويات مرتفعة يعني أن المعركة لم تنتهِ بعد.

والسؤال الذي يجب أن يرافق كل رقم عن الوظائف الجديدة ليس فقط: كم وظيفة خُلقَت؟

بل:

كم وظيفة ذهبت إلى مستحقيها وفق الكفاءة؟

وكم وظيفة أُعلنت بشفافية؟

وكم شابًا حصل على فرصته دون أن يسأل أحدًا: "مين بعرفك؟"

هذه هي القضية التي يجب أن نناقشها إذا أردنا إصلاح سوق العمل فعلًا.

فالعدالة ليست أن نخلق وظيفة فقط، وإنما أن نضمن أن ابن الفقير وابن المسؤول، وابن القرية وابن العاصمة، وابن العائلة الكبيرة وابن العائلة التي لا تملك نفوذًا، يقفون أمام الوظيفة نفسها بالشروط نفسها.

عندها فقط نستطيع أن نقول إن القطاع الخاص أصبح شريكًا حقيقيًا في حل مشكلة البطالة.

أما إذا انتقل الشاب من طابور الوظيفة الحكومية إلى طابور الوظيفة الخاصة، وبقي يسأل عن "الواسطة" و"المعرفة" و"من يفتح الباب"، فإننا لم نحل المشكلة؛ لقد نقلناها فقط من مؤسسة إلى مؤسسة.

المشكلة ليست دائمًا في قلة الوظائف... أحيانًا تكون المشكلة فيمن يملك مفتاح الوظيفة.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير