جفرا نيوز -
محمود خطاطبة
تسأل الكاتب والصحفي محمود الخطاطبة عن صاحب الأحقية في كتابة شهادة الحكومة الأفضل الرئيس ام المواطنيين؟ وبين في مقالًا له:
رئيس الوزراء الأسبق، عبدالله النسور، يخرج علينا من جديد بتصريح لافت، ويؤكد أن "التاريخ سيُسجل إن حُكومتي كانت من أفضل الحُكومات التي مرت على الأردن".. هذا ما خرجت به قريحة رئيس وزراء كان في يوم من الأيام، يلبس عباءة الخوف على المواطن، وكان صوته يصدح دومًا تحت قبة البرلمان، رافضًا لقضايا مفصلية أقرها هو بنفسه عندما جلس على "كرسي الرابع".
ذلك تصريح يستدعي قبل التصفيق أو الرفض أو الاستهزاء أو التندر، العودة إلى الوقائع، لا إلى ذاكرة انتقائية أو محدودة.. تصريح يُثير في النفس تساؤلات حول مدى موضوعيته، خصوصًا إذا ما علمنا بأن الفترة التي تربع فيها النسور على رئاسة الحُكومة، والتي امتدت عمليًا ما بين عامي 2012 و2016، كانت حُبلى بقرارات أثرت بشكل واضح لا لُبس فيه على حياة المواطنين ومُستقبل الاقتصاد الوطني.
ثلاثة قرارات كان النسور ضدها، عندما كان في "العبدلي"، أولها رفضه القاطع لزيادة أسعار المُشتقات النفطية، وعندما انتقل إلى "الرابع" قام صاحب "أفضل الحُكومات" بتحرير أسعار المُشتقات النفطية ورفع الدعم عنها، مُقدمًا وعدًا حينها بأنه "سيقوم بتعويض الأُسر الأقل دخلًا نقديًا".. طبعًا تصريح كالعادة تبخر في الهواء، وبقي المواطن في ظل ظروف معيشية أكثر من صعبة.
وفي الوقت الذي كان المواطن يُعاني، ولا يستطيع أن يوفر ثمن صفيحة كاز من أجل التدفئة له ولأفراد أُسرته في أيام الشتاء، اتخذت "أفضل الحُكومات"، بقيادة النسور، قرارها الثاني والذي يتمثل بزيادة أسعار الكهرباء، ضمن ترديد لاسطوانة مشروخة مفادها إن شركة الكهرباء الوطنية "تتكبد خسائر"، ومُعالجة "خسائر" قطاع الطاقة.
وفي الجانب الضريبي، اتخذ النسور القرار الثالث والذي يتعلق بقانون ضريبة الدخل في نهاية العام 2014، وأهم ميزة فيه "توسيع" الشرائح الخاضعة للضريبة، وتطبيق نظام ضريبي تصاعدي يصل إلى 20 بالمئة. الأمر الذي أدى إلى دخول فئات جديدة من الموظفين إلى دائرة المُكلفين، ما زاد من العبء على الطبقة الوسطى، وأدى إلى انتقادات واسعة حول العدالة الضريبية، وإمكانية أن تؤثر سلبًا على السلم المُجتمعي.
وكالعادة، التعليل جاهز، وهو "حماية الدينار، وتعزيز احتياطيات العملات الأجنبية، وخفض العجز، والالتزام ببرنامج التصحيح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي".. ولكن، النسور غض الطرف عامدًا مُتعمدًا عن قاعدة تقول: نجاح السياسة الاقتصادية لا يُقاس بالأرقام وحدها؛ بل أيضًا بكُلفتها الاجتماعية، وبمدى شعور المواطن بأن الإصلاح عادل.
أستطيع القول إن الجانب الاقتصادي والمالي، شهد إبان حُكومة النسور تغييرات جذرية، اتخذت خلالها الحُكومة قرارات موجعة للمواطن؛ رأى كثيرون إنها كانت على حساب الطبقة الأكثر ضعفًا وهشاشة في المُجتمع.
أما سياسيًا، فقد كانت "أفضل الحُكومات" أكثر إثارة للجدل، والصورة أكثر تعقيدًا، خصوصًا فيما يتعلق بقانون الصوت الواحد، والذي بقي ساري المفعول، ولكن مع تعديلات شكلت نوعًا من المراوغة أو التحايل، حيث يُمنح الناخب حق التصويت لمُترشح واحد فقط، مع وجود قائمة وطنية عامة.
في المُقابل وللإنصاف، فإن الحُكومة أقرت قانونًا بديلًا العام 2016، يعتمد على القائمة النسبية المفتوحة، إلا أن هذا التغيير لم يُخفف من الانتقادات، وترك علامات استفهام حول نية الحُكومة في تحسين نظام الانتخاب وتعزيز المُشاركة السياسية.
لذلك، إذا كان التاريخ سيحكم على حُكومة النسور، فيجب الابتعاد عن العاطفة؛ فعلى الرغم من أنها قد تكون، كما يقول النسور، اتخذت قرارات صعبة، إلا أنها بالنهاية حمّلت المواطنين كُلفة ملموسة، وأثارت جدلًا لم ينته حتى كتابة هذه السطور.. فجُملة "من أفضل الحكومات"، ليست حقيقة يقررها النسور، بل شهادة يكتبها التاريخ والمواطن معًا.