جفرا نيوز -
بقلم: عرين القاضي / كاتبة وناشطة اجتماعية
لطالما ارتبطت الهجرة في أذهاننا بحقيبة سفر كبيرة وتذكرة طائرة مختومة، ودموع مؤقتة بعشرة دقائق فقط على بوابة توديع المسافرين.
كان الأردني وهو يبحث عن فرصة أفضل، يختار الخروج من البلد، وكنا نسمّي ذلك هجرة، ونقيس خسارتنا بعدد الأطباء والمهندسين والخبراء والشباب الذين غادروا.
لكن ماذا لو تغيّر هذا الشكل التقليدي للهجرة؟
ماذا لو أصبح بإمكان الأردني أن يبقى في إربد، ويسكن في النعيمة ، لكنه يعمل لشركة في نيويورك أو لندن أو دبي، ويتقاضى راتبه من الخارج، ويقضي يومه في سوق عمل لا علاقة له جغرافيًا بالمكان الذي يعيش فيه؟
هل هذا عمل عن بُعد فقط؟
أم أننا أمام شكل جديد من الهجرة؟
هذا ليس توقع للمستقبل ، نحن الان في المستقبل
دراسة حديثة عن العمل الرقمي عبر المنصات في الأردن أظهرت أن 59.7% من المشاركين يعملون كعاملين مستقلين أو لحسابهم الخاص لكنها كشفت في الوقت نفسه أن هذا النوع من العمل ما زال يحمل قدرًا كبيرًا من عدم الاستقرار، وأن نسبة كبيرة من العاملين فيه تقع خارج مظلة الحماية القانونية والاجتماعية التقليدية.
وهنا نبدأ التحدي!
اعتدنا ان يكون النداء" لا تسافر يا قتيبة!"
ولكن ربما حان الوقت لنسأل سؤالًا مختلفًا:
كيف نجعل فرصة العمل هي التي تهاجر الى قتيبة.
الفكرة ليست مستحيلة.
المبرمج الأردني يمكن أن يعمل مع شركة في واشنطن، المصمم يمكن أن يصمم منزل في سويسرا،
المترجم يمكن أن يعمل لصالح مؤسسة في الخليج العربي،
المسوّق يمكن أن يدير حملات لشركة لا يعرف حتى أين الشارع الذي يقع فيه مقر شركته.
والكاتب من الممكن له ان يعبر بلغة يفهمها اهل الاسكندرية .
وهنا يكون التحول من بلد يصدر الكفاءات الي بلد يستورد الفرص، وهذه ربما تكون واحدة من أهم الفرص التي يتيحها الاقتصاد الرقمي.
لكن لا يجب أن نجمّل الصورة أكثر مما ينبغي،فالعمل الرقمي ليس دائمًا وظيفة الأحلام.
الدراسة الخاصة بالـCloudwork في الأردن تشير إلى أن المرونة قد تكون فرصة حقيقية، خصوصًا للنساء اللواتي يصعب عليهن الوصول إلى وظائف تقليدية، لكنها تشير أيضًا إلى أن العمل الرقمي قد يعيد إنتاج مشكلة العمل غير المستقر بصورة جديدة: دخل متذبذب، عقود قصيرة، وحماية اجتماعية محدودة.
وقد نوفر للمرأة فرصة للعمل من منزلها، لكن من دون أن نمنحها دائمًا الضمان الاجتماعي أو الاستقرار الذي تمنحه الوظيفة التقليدية.
لذلك لا يكفي أن نقول للشباب: "تعلموا البرمجة واعملوا Freelancers."
نحن بحاجة إلى منظومة كاملة تعترف بأن شكل العمل تغيّر وتتكيف معه.
وهذا عن طريق قانون يحمي العامل المستقل،
ضمان اجتماعي قابل للنقل بين الوظائف والعمل الحر،
آليات واضحة لاستقبال الدخل من الخارج،
تدريب لا ينتهي عند الحصول على شهادة، بل يصل إلى الوصول الحقيقي إلى سوق العمل العالمي.
وتعليم جامعي يفهم أن سوق الخريج لم يعد بالضرورة داخل حدود البلد.
تعليم يفهم السوق العالمي، وربما فكرة نقابلة للعاملين عن بعد.
وربما هنا تكمن الفكرة الأهم، ان من السلبيات المتوقعه، ان يصبح التنافس والتطوير خارج الأردن، وان نخسر طموح، وابداع لا محدود.
فالتحدي هنا يعتمد على ما إذا كنا سنترك هذا التحول يحدث بصورة عشوائية، أم سنبني له نظامًا يجعل الأردن منصة للعمل العالمي.
ربما لا نحتاج إلى إعادة كل مهاجر إلى الأردن.
ربما نحتاج فقط إلى أن نجعل الأردني قادرًا على الوصول إلى العالم وهو يجلس على اريكته وامامه جهازه المحمول.
وفي زمن لم تعد فيه الوظيفة مرتبطة بالمكتب، ولا الشركة بالمدينة، ولا الزميل بالدولة نفسها، ربما آن الأوان أن نعيد تعريف الهجرة.
وقد يكون هذا هو الشكل الجديد للهجرة الذي لم نتعلم بعد كيف نقيسه.