اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

ارحموا عباد الله يا عبيد الله

الخميس-2026-08-27 12:59 pm
جفرا نيوز -
ارحمو عباد الله يا عبيد الله ..

ثمة لحظة خطرة في حياة الإنسان لا يشعر بها حين يصل إليها؛ لحظة ينتقل فيها، دون أن يدري، من كونه عبدًا لله إلى كأنه وكيلٌ عنه على عباده.

تبدأ الحكاية بحكم عابر:

هذا مخطئ...
هذا سيئ...
هذا لا خير فيه...
وهذه لا توبة لها...
وهذا لا ينفع معه نصح...

ثم يتحول الحكم إلى قناعة، والقناعة إلى يقين، حتى يجد الإنسان نفسه جالسًا في مقعد لم يُدعَ إليه أصلًا؛ مقعد من يصنّف الناس، ويمنح صكوك البراءة والإدانة، ويقرر من يستحق الرحمة ومن لا يستحقها.

وكأن مفاتيح القلوب بين يديه، وكأن خواتيم الناس قد كُشفت له!

يا للعجب من إنسان لا يعرف ماذا يحمل له الغد، ثم يتحدث بكل هذه الثقة عن مصير غيره.

المشكلة ليست في أن نرى الخطأ خطأ، ولا في أن نرفض الظلم، ولا في أن ننكر المنكر.

المشكلة تبدأ عندما ننتقل من إنكار الفعل إلى إعدام الإنسان.

أن تقول: "لقد أخطأ"، فهذا حكم على فعل.

أما أن تقول: "هذا إنسان لا خير فيه، ولا أمل في إصلاحه، ولا توبة تنفعه"، فقد تجاوزت الفعل إلى قلب الإنسان ومستقبله ومآله.

وهنا لا تعود ناقدًا للخطأ، بل تصبح قاضيًا على الأرواح.

والأشد قسوة أن بعض الناس لا يكتفون بالحكم، بل يتلذذون بعقوبة الآخرين.

إن تاب، قالوا: متصنع.

وإن اعتذر، قالوا: كاذب.

وإن حاول أن يصلح ما أفسده، نبشوا ماضيه، وأعادوا إليه أخطاءه، وكأنهم قرروا أن يبقى سجينًا إلى الأبد في نسخة قديمة من نفسه.

لكن...

من قال إن التوبة امتياز نمنحه نحن؟

ومن أعطانا الحق في إغلاق باب لم يغلقه الله؟

الله الذي يعلم ضعف عباده، ويعرف تقلب قلوبهم، لم يغلق باب الرجوع؛ فكيف يضيّقه عبد لا يعرف ما في قلب أخيه، ولا يرى معركته الداخلية، ولا يعلم كم مرة سقط ثم قاوم، وكم مرة بكى وحده، وكم مرة حاول أن يبدأ من جديد؟

لا تختصر إنسانًا في خطيئته.

فالإنسان أكبر من زلته، وأعمق من عثرته، وأوسع من أسوأ نسخة رأيتها منه.

قد يكون ما تراه اليوم سقوطه الأخير قبل أن ينهض.

وقد يكون الذي تسخر من ضعفه اليوم هو نفسه الذي يسبقك غدًا إلى التوبة والصلاح.

وليس مطلوبًا منك أن تبرر الخطأ، ولا أن تلغي حقوق المظلوم، ولا أن تمنع العدالة.

لكن هناك فرقًا هائلًا بين أن تقول:

"هذا الفعل مرفوض."

وبين أن تقول:

"هذا الإنسان لا خير فيه."

الأولى مقاومة للخطأ.

أما الثانية فقد تتحول إلى اغتيال للإنسان.

فالعدالة تأخذ الحقوق، أما الشماتة فتقتل ما تبقى من إنسانية.

والنصيحة قد تصلح إنسانًا، أما الإهانة فقد تدفعه إلى اليأس.

تذكر أنك أنت أيضًا عبد.

تخطئ وتصيب، تضعف وتقوى، تسقط وتنهض، وتحتاج إلى رحمة الله أكثر مما تتخيل.

فكيف يليق بعبدٍ يحتاج الرحمة أن يبخل بها على عباد الله؟

لا تكن سجانًا للماضي، ولا حارسًا على أبواب التوبة.

إذا رأيت إنسانًا ينهض، فلا تدفعه إلى الأرض مرة أخرى.

وإذا رأيت تائبًا يحاول أن يبدأ من جديد، فلا تجعل ماضيه حبلًا تجرّه به كلما خطا خطوة إلى الأمام.

دعوا الناس يتغيرون.

دعوا الناس يصلحون.

دعوا الناس يكونون اليوم غير الذين كانوا بالأمس.

فليس من العدل أن نحاكم الإنسان إلى الأبد على نسخة منه لم يعد يريد أن يكونها.

لسنا أربابًا.

لا نملك مفاتيح الجنة والنار، ولا نعلم سرائر الناس، ولا نعرف خواتيمهم.

فلا تجعلوا من أنفسكم آلهة صغيرة على الأرض؛ تحكمون، وتدينون، وتقصون، وتعاقبون، وتغلقون أبواب الرجاء.

قولوا للمسيء:

أخطأت... لكن يمكنك أن تصلح.

وقولوا للتائب:

امضِ... ولا تلتفت إلى من يريد أن يعيدك إلى قفص ماضيك.

وقولوا لأنفسكم قبل ذلك كله:

كما أرجو من الله أن يراني يومًا أفضل مما أنا عليه اليوم، فلأدع للآخرين حق أن يكونوا غدًا أفضل مما كانوا بالأمس.

فما أحوجنا إلى الرحمة في زمنٍ أصبح فيه البعض يبحث عن عيوب الآخرين أكثر مما يبحث عن عيوب نفسه، ويحصي زلات الناس وكأنه نسي أن له صحيفةً يخشى أن تُفتح يومًا.

ارحموا عباد الله... يا عبيد الله.

كونوا عبادًا لله...

لا أربابًا على عباده.

بقلمي
د. مهند البدادوة
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير