جفرا نيوز -
الكاتب والباحث: د.محمود سمور
عضو الهيئة العامة لاتحاد الكتاب والادباء الاردنيين وعضو المجلس المركزي لحزب العمال .
مقدمة
مياه الشرب النظيفة ليست مجرد رفاهية هي واحدة من أساسيات الصحة للجميع ومع ذلك لوحدث لها تلوث بالميكروبات الضارة سواء أثناء وجودها في مصدرها الأصلي أوخلال المعالجة أوالتخزين أوالتوزيع قد تتحوّل سريعاً إلى سبب رئيسي لنقل الأمراض والتلوث بمخلفات الإنسان والحيوان خاصةً الفضلات هو الأخطرلأنه ينقل البكتيريا والفيروسات والطفيليات التي تسبب العديد من الأمراض المعدية ولهذا فأن الحفاظ على سلامة مياه الشرب يتطلب مراقبة مستمرة من المصدروحتى وصول الماء لكل منزل.
مصادرمياه الشرب
مياه الشرب تأتي من عدة مصادر: مياه سطحية مثل الأنهاروالبحيرات والسدود والمياه الجوفية من الآبار والينابيع وأحياناً المياه المحلاة خاصة في الأماكن التي يكون مصادرالمياه العذبة فيها قليلة والبعض في المناطق النائية يعتمد على صهاريج المياه لنقلها للمنازل وتكون درجة الخطرالميكروبي تختلف حسب المصدروالبيئة المحيطة ومدى تعرضه للتلوث ومياه الصهاريج تحديداً تحتاج متابعة دقيقة فلا بد من التأكد من مصدرها ونظافة الخزانات وطرق التعبئة والتفريغ لأن الصهريج المتسخ قد يعيد تلوث المياه حتى لوكانت نظيفة من البداية.
معالجة المياه قبل الاستخدام المنزلي
عندما تصل المياه لمحطات المعالجة تمربعدة مراحل حسب نوعية المصدروتبدأ العملية غالباً بالتخثيروالتلبيد لتجميع الشوائب وبعض الكائنات الدقيقة ثم الترسيب لإزالة المزيد من الجسيمات وبعد هذه الخطوات تمرالمياه بالترشيح (مثلاً الترشيح الرملي) لإزالة البقايا وتقليل الحمل الميكروبي وأحياناً تحتاج المياه لتقنيات إضافية مثل الكربون المنشط والتناضح العكسي وبعدها تأتي مرحلة التطهيروهي أهم خطوة لمكافحة الميكروبات وغالباً يستخدم الكلورأوثاني أكسيد الكلورأوالأشعة فوق البنفسجية وذلك اعتماداً على طبيعة المياه وخطة المحطة وحتى بعد كل هذه الخطوات تبقى الحاجة للحفاظ على جودة المياه أثناء التخزين والتوزيع حتى وصولها للمستهلك.
إمكانية تلوث المياه بعد المعالجة
حتى لوخرجت المياه من محطة المعالجة سليمة قد تتلوث من جديد خلال توزيعها والكسورفي الأنابيب أو التسربات أوانخفاض ضغط المياه أووجود توصيلات عشوائية أودخول مياه ملوثة بسبب ارتداد المياه في الشبكة كلها عوامل تزيد احتمالية التلوث وفي كثيرمن الأحيان تتلوث المياه داخل خزانات المباني بسبب الإهمال في تنظيفها وتعقيمها أوبسبب دخول الأتربة والحشرات أوبسبب التخزين لفترات طويلة أوارتفاع الحرارة مما يوفر بيئة تسمح للميكروبات بالنموومن المشكلات الصامتة أيضاً تكوّن الأغشية الحيوية داخل الأنابيب أوالخزانات وهذه طبقات ميكروبية تلتصق بالسطح ولا تُزول عادة بالتطهيرالاعتيادي.
الميكروبات الأكثرشيوعاً في مياه الشرب
1- من أهم البكتيريا التي قد ترتبط بتلوث مياه الشرب الإشريكية القولونية وهي من أهم المؤشرات المستخدمة للكشف عن التلوث البرازي كما توجد سلالات ممرضة منها يمكن أن تسبب الإسهال والتهابات ).Escherichia coli الجهازالهضمي (الاسم العلمي
2- من البكتيريا المهمة أيضاً بكتيريا الضمة الكوليرا وهي المسبب لمرض الكوليرا ويمكن أن يؤدي انتقالها عن طريق مياه الشرب الملوثة إلى حدوث إسهال مائي شديد وفقدان سريع للسوائل والأملاح وقد تكون ).Vibrio cholerae الحالة خطيرة إذا لم يتم علاجها بسرعة( الاسم والعلمي
3- تشمل مسببات الأمراض الأخرى السالمونيلا التيفية التي تسبب حمى التيفوئيد وهي من الأمراض التي ).Salmonella Typhi(الاسم العلمي. يمكن أن تنتقل عن طريق المياه أو الأغذية الملوثة
4- كما توجد بكتيريا الشيغيلا التي يمكن أن تسبب الإسهال والزحاروالتهابات الأمعاء ويمكن أن تنتقل عند ).Shigella spp.تلوث المياه بمخلفات الإنسان (الاسم العلمي
5- من مسببات التهاب المعدة والأمعاء أيضاً بكتيريا العطيفة التي قد تؤدي إلى الإسهال وآلام البطن والحمى ).Campylobacter spp(الاسم العلمي..وترتبط في بعض الحالات بالمياه أوالأغذية الملوثة
6- فيروسات ممرضة ومنها فيروس الروتا الذي يعد من مسببات الإسهال وخاصة لدى الأطفال وفيروس نوروفيروس الذي يسبب التهاب المعدة والأمعاء الحاد والإسهال والقيء
. (Rotavirus and Norovirus (الأسماء العلمية
7-فيروسات تنتقل من خلال المياه الملوثة أيضاً فيروسات التهاب الكبد أ التي تسبب التهاب الكبد الفيروسي أ في حال وجود تلوث برازي للمياه وعدم كفاية إجراءات المعالجة والتطهير . خاصة
).Hepatitis A virus(الاسم العلمي
طفيل الجيارديا الذي يسبب داء الجيارديات وقد يؤدي إلى الإسهال وآلام البطن -8
). Giardia duodenalis والانتفاخ واضطرابات الجهازالهضمي (الاسم العلمي
9- طفيل الأميبا الحالة للنسج وهي طفيل معوي يمكن أن يؤدي إلى الإسهال والزحارالأميبي وقد تصل العدوى في بعض الحالات إلى أعضاء أخرى من الجسم
). Entamoeba histolytica( الاسم العلمي
الأمراض الناتجة عن تلوث مياه الشرب
تناول المياه الملوثة يعرّض الإنسان لخطرواسع من الأمراض مثل الإسهالات، الكوليرا، الزحار، التيفوئيد، التهاب الكبد أ، التهابات المعدة والأمعاء الفيروسية وعدد من الأمراض الطفيلية.
والأطفال وكبارالسن أومن لديهم مناعة ضعيفة يكونون أكثرعرضة لمضاعفات خطيرة مثل الجفاف أواضطراب المعادن في الجسم أو حتى الوفاة في الحالات الشديدة .
الفحوصات الميكروبيولوجية لمياه الشرب
فحص مياه الشرب بشكل منتظم ضروري للحفاظ على سلامتها وأن من أكثرالمؤشرات أهمية هو فحص الإشريكية القولونية كمؤشرللتلوث البرازي وهناك اختبارات أخرى مثل العد الكلي للميكروبات وفحوص القولونيات الكلية وخطة جمع العينات يجب أن تغطي جميع مراحل نظام المياه: المصدر، المعالجة، التخزين، الشبكة وحتى نقاط الاستهلاك حتى يمكن اكتشاف أي تغيّرمبكرفي جودة المياه.
طرق الحماية والوقاية
تبدأ الوقاية من تلوث المياه بحماية المصدروذلك بمنع تلوثه بمياه الصرف أومخلفات الحيوانات أوالمواد الكيميائية ويجب ضمان كفاءة المعالجة والتطهيروالمراقبة المستمرة لجودة المياه والحفاظ على شبكة التوزيع من التسريبات أوالكسورأوالتوصيلات المخالفة مهم جداً وأيضًا الحفاظ على ضغط المياه داخل الشبكة يمنع دخول مياه ملوثة إليها وفي البيوت والمباني تنظيف وتعقيم خزانات المياه بشكل دوري وإبقاؤها مغلقة ومنع دخول الأتربة والحشرات ضروري وإذا وجدت شكوك حول أمان المياه أوحدث طارئ يمكن غلي الماء أو استخدام التطهيرأوالفلاترالمعتمدة حسب تعليمات الجهات الصحية.
مياه الشرب والاقتصاد
تلوث مياه الشرب ليس فقط مشكلة صحية بل ينعكس اقتصادياً بشكل ضخم فالأمراض الناتجة عنه ترفع الإنفاق على العلاج وتزيد غياب الناس عن الأعمال والمدارس وتسبب تراجع الإنتاجية والدول تتحمّل تكاليف إضافية عند تفشّي الأوبئة المرتبطة بالمياه: فحوصات، علاج، تحكم في مصادرالتلوث فكل ذلك يستهلك الموارد ولكن عندما تستثمرالدولة في محطات المعالجة المتطورة، شبكات توزيع متينة، نظم تطهير فعّالة، مختبرات حديثة للمراقبة وكل ذلك تدعمه برامج صيانة قوية فهي لا تحمي صحة السكان فقط بل ترفع مستوى الإنتاجية وتقلل النفقات على المدى الطويل وفي ظل التغيرالمناخي والنمو السكاني ونقص الموارد أصبح الاستثمارفي مياه آمنة ومستدامة أولوية على كل المستويات صحياً واقتصادياً وتنموياً.
الخاتمة
باختصارأن مياه الشرب النظيفة هي حجرالأساس لصحة الإنسان واستقرارالمجتمع والتنمية على المدى البعيد والماء قد يكون سبباً في نقل الأمراض لو لم نعتنِ به في كل مرحلة من المصدروحتى وصوله للفرد. الوقاية مسؤولية مطلقة تبتديء بحماية مصادرالمياه تليه المعالجة الفعالة، الفحوصات الدقيقة، الحفاظ على الشبكة والخزانات، وصولاً للعناية في المنازل أن تحقيق الأمان المائي ليس فقط دورالجهات الرسمية أو محطات المعالجة بل مسؤولية يتشارك فيها الجميع: الدولة، الجهات المختصة، المجتمع نفسه، وأخيراً كل مستهلك يشرب من هذا الماء لأن استثمارنا في مياه الشرب الآمنة هو في حقيقته استثمارفي صحتنا واقتصادنا ومستقبل الجيل القادم.