اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

التَّسَوُّلُ تُجارَةٌ لا حاجَةَ

الإثنين-2026-08-24 07:28 pm
جفرا نيوز -
الدكتور جعفر المعايطة
_مَن يُحَرِّكُ أطفالَ الدُّمى في شَوارِعِ الوَطَنِ_

_التَّسَوُّلُ تُجارَةٌ لا حاجَةَ.._
لَيسَ هُجومًا أو تَهَجُّمًا، إنَّما دِفاعًا عَن هُوِيَّتي وَسُمعَةِ بِلادي، وَبَعيدًا عَنِ المِلَفِّ الوَطَنيِّ المُحدَثِ في ماليزيا، المَنظورِ أمامَ القَضاءِ وَالمُلَاحَقِ في حَضرَةِ الضَّوابِطِ القانُونِيَّةِ وَالعَدلِيَّةِ وَالهَيئاتِ ذاتِ الاختِصاصِ الأُردُنِيَّةِ... وَكُلُّنا ثِقَةٌ أنَّ التَّعامُلَ مَعَهُ لَيسَ مُجَرَّدَ مِلَفِّ تَسَوُّلٍ وَاستِجداءٍ، كَلّا. إنَّهُ مِلَفٌّ ذو اعتِباراتٍ تُجارِيَّةٍ لا أخلاقِيَّةٍ، قَد تَكُونُ الواجِهَةَ لِشَبَكاتِ استِغلالٍ أكثَرَ تَعقِيدًا.

_التَّسَوُّلُ آفَةٌ مُرَكَّبَةٌ_
لا شَكَّ أنَّ التَّراحُمَ المُجتَمَعيَّ الخَيريَّ الأهليَّ الشَّعبيَّ الأُردُنيَّ هُوَ الأجمَلُ في العالَمِ على الإطلاقِ، لَكِنَّ ظاهِرَةَ التَّسَوُّلِ في أُردُنِّنا الكَريمِ تَعَدَّت كَونَها فَوضى وَاجتِهاداتٍ فَردِيَّةً، بَل أصبَحَت آفَةً مُرَكَّبَةً وَأزْمَةً وَطَنِيَّةً، وَخاصَّةً أمنِيَّةً تَمَسُّ الأمنَ الوَطَنيَّ داخِلَ حُدودِ الدَّولَةِ، وَبِقَفزِها عَبرَ البِحارِ وَالمُحيطاتِ هُنا تَصبِحُ أزْمَةً تَمَسُّ سُمعَةَ وَطَنٍ، وَتَنالُ مِنَ الهُوِيَّةِ الأُردُنِيَّةِ، وَتَخدِشُ أمنَها القَوميَّ.

_تِجارَةُ التَّسَوُّلِ.._
الأمرُ أكبَرُ مِن مَوضُوعِ طِفلٍ يَتَرَنَّحُ على قارِعَةِ الطَّريقِ، يَرتَجِفُ مِنَ الخَوفِ مادًّا يَدَيهِ، مُستَجدِيًا مُتَسَوِّلًا لَيسَ "سائِلًا". قالَ تَعالى: _"وَأمَّا السّائِلَ فَلا تَنهَر"_، فَالسّائِلُ لِمَرَّةٍ واحِدَةٍ، أمَّا المُتَسَوِّلُ فَتِجارَةٌ وَمِهنَةٌ، فاقِدًا ماءَ الوَجهِ، لَيسَ جُوعًا وَلا فَقرًا وَلا حاجَةً، بَل تَرَفًا وَرَفاهِيَّةً على حِسابِ جُيوبِ المارَّةِ، وَمَعَ كَثرَةِ جَمعِ ما يَجمَعُ مِنَ المالِ تَجِدُ المُتَسَوِّلَ رَثَّ الثِّيابِ، أشعَثَ الشَّعرِ، أغبَرَ الوَجهِ، بِرائِحَةٍ كَريهَةٍ، عَديمَ المَنظَرِ وَالمَحضَرِ.

_تِجارَةُ التَّسَوُّلِ_
التَّسَوُّلُ لَيسَت مُجَرَّدَ تَعَلُّقِ طِفلٍ بِالمارَّةِ مُستَعطِيًا، ناسِيًا طُفُولَتَهُ، بَل تُجارَةٌ، مَن عَيناهُ تَستَرِقانِ النَّظَرَ: إحداهُما تَستَرِقُ النَّظَرَ خَوفًا وَقَسرًا وَقَهرًا مِمَّن يُراقِبُهُ، مِمَّن يُديرُونَهُ زَمانًا وَمَكانًا وَشُخُوصًا مِن عِصاباتِ الاتِّجارِ بِالبَشَرِ، وَالأُخرى تُمعِنُ النَّظَرَ في قيمَةِ التَّمويلِ ذُلًّا وَانكِسارًا.

_التَّسَوُّلُ طَريقٌ لِتِجارَةِ البَشَرِ.._
... مُتَسَوِّلُ الغَدِ... مُجرِمُ الجيلِ.
إنَّهُ الطِّفلُ الضَّحِيَّةُ، مُتَسَوِّلٌ قَسرًا:
مُتَسَوِّلٌ يَتَبادَلُ أرصِفَةَ شَوارِعِ الوَطَنِ، مَأمُورٌ مَقهُورٌ لِبَيعِ الفَضِيلَةِ، إنَّهُم "أبناءُ الأرصِفَةِ" مَعَ الاعتِذارِ لِلوَطَنِ وَالمُواطِنِ، بَل إنَّهُ الطِّفلُ "اللّا مُوَظَّفُ" مَعَ "اللّا دَخلِ" وَضَحِيَّةُ "اللّا تَقاعُدِ"، وَحَسبُهُ مِمّا يَتَسَوَّلُ لُقَيماتٌ تَسُدُّ جُوعَهُ.

_تِجارَةُ البَشَرِ هِيَ روحُ التَّسَوُّلِ._
المُتَسَوِّلُ لَيسَ مُجَرَّدَ لافِتَةِ مُرورٍ مُجتَمَعِيَّةٍ يَستَدرُّ عَواطِفَ الجُمهُورِ، إنَّ التَّسَوُّلَ _"تِجارَةُ الشَّفَقَةِ"_، السِّلعَةُ فيها دَمعَةُ طِفلٍ مَعَ إيماءَةٍ حَزينَةٍ،
وَرُبَّما عَلامَةٌ فارِقَةٌ خِلقِيَّةٌ تُستَغَلُّ أو مُحدَثَةٌ تُفتَعَلُ،
وَرأسُ المالِ هُوَ الاتِّجارُ بِطُفُولَةِ الطِّفلِ المُتَسَوِّلِ.
الاتِّجارُ بِالأطفالِ `Child Trafficking` مُجَرَّدُ مَسرَحِيَّةٍ بِعِدَّةِ مَشاهِدَ مُتَناوِبَةِ الشُّخُوصِ، مُنتَظَمَةِ الزَّمانِ، مُختَلِفَةِ المَكانِ.

_جَريمَةُ التَّسَوُّلِ اللَّا أخلاقِيَّةِ.._
مَن يُمَوِّلُ تِجارَةَ التَّسَوُّلِ فَإنَّهُ يُمَوِّلُ استِمرارَ الاعتِداءِ على الطُّفُولَةِ، وَسَرِقَةَ أعمارِ الأطفالِ، وَيُشَجِّعُ على جَريمَةِ ابتِزازِ المالِ الخَاصِّ، سَرِقَةً مِن جُيوبِ أهلِهِ بِذَريعَةِ "الحاجَةِ"، وَتَمويلُ جُنحَةِ تِجارَةِ التَّسَوُّلِ بِمَثابَةِ التَّحريضِ على رَميِ الأطفالِ وَالطُّفُولَةِ في قارِعَةِ الطَّريقِ، وَرَميِ المالِ في أَفواهِ ذِئابٍ بَشَرِيَّةٍ.

_ثَقافَةُ التَّسَوُّلِ التُّجارِيَّةِ.._
إنَّ تِجارَةَ التَّسَوُّلِ مَوجودَةٌ عِندَ أصحابِ تِلكَ الثَّقافاتِ،
رُغمَ وُجودِ مُؤَسَّساتٍ وَطَنِيَّةٍ فاعِلَةٍ وَمَرجِعِيَّاتٍ سِيادِيَّةٍ ناظِمَةٍ وَمُضطَلِعَةٍ بِكَافَّةِ مَسؤولِيَّاتِها، مِثلَ _"صُندوقِ الزَّكاةِ"_، وَ_"مَنظُومَةِ الدِّفاعِ الاجتِماعِيِّ في وِزارَةِ التَّنميَةِ"_ المُتَمَثِّلَةِ بِـ _"صُندوقِ المَعُونَةِ الوَطَنيِّ"_،
فَضلًا عَن مُؤَسَّساتِ المُجتَمَعِ المَدَنيِّ وَالجَمعِيَّاتِ الخَيرِيَّةِ الرَّافِدَةِ لِلتَّكامُلِ وَالتَّكافُلِ المُجتَمَعيِّ.

_مَسارُ التُّجارَةِ التَّسَوُّلِيَّةِ.._
مُخطِئٌ مَن ظَنَّ أنَّ إعطاءَ تُجّارِ الشّارِعِ التَّسَوُّلِيَّ كَأحَدِ مَصارِفِ التَّمويلِ الخَيريِّ أو الإحسانيِّ، وَما التَّسَوُّلُ الشّارِعيُّ إلّا مَسرَحٌ لِجَريمَةِ الاتِّجارِ بِالبَشَرِ، خاصَّةً الطُّفُولَةَ وَالأطفالَ، وَمَن يَقِفُ في مَسرَحِ الجَريمَةِ إلّا: مُجرِمٌ، أو عِصابَةٌ، أو مُحَرِّضٌ، أو ضَحِيَّةٌ.
وَمِنّا مَن -وَبِغَيرِ قَصدٍ- يُمَوِّلُ ثَقافَةَ التَّسَوُّلِ، فَمَن يَعتَقِدُ أنَّ العَطاءَ إكرامًا وَكَرَمًا وَإحسانًا على المُتَسَوِّلِ فَقَد جانَبَ الصَّوابَ، إنَّما هُوَ دَعمٌ وَتَمويلٌ لِعِصاباتِ الاتِّجارِ بِالبَشَرِ لِتَشتَريَ طِفلًا جَديدًا لِغاياتِ الاتِّجارِ وَالاستِغلالِ وَالاستِثمارِ، إنَّهُ التَّمويلُ غَيرُ المَقصودِ الَّذي يُمَوِّلُ بَقاءَ مِهنَةٍ وَحِرفَةٍ وَصَنعَةٍ وَمُخالَفَةِ التَّسَوُّلِ، وَبِهَذا التَّمويلِ تَستَمِرُّ الدُّمُوعُ.

_التَّسَوُّلُ وَباءٌ مُعدٍ_
لَقَد بَشَّرَنا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: _"لا الفَقرَ أخشى عَلَيكُم"_، وَباءٌ يَنتَشِرُ بِدافِعِ الشَّفَقَةِ وَالرَّأفَةِ، عَلى مَسامِعِ المُتَسَوِّلِ نَلعَنُ الفَقرَ، وَنَرجُمُ العَوزَ، وَنَشتُمُ الحاجَةَ، وَفي نَفسِ الوَقتِ نُمَوِّلُ صِناعَةَ وَإنتاجَ التَّسَوُّلِ، فَنَحنُ مَن يُنتِجُ سِلعَةَ التَّسَوُّلِ لِكَي نَشتَريَ بِها صُكُوكَ وَدَعَواتِ الشَّفَقَةِ.

_التَّسَوُّلُ مَكرَهَةٌ صِحِّيَّةٌ._
فَالفَقرُ لَيسَ سِلعَةً لِتُعرَضَ على الأرصِفَةِ أو تَتَمَتَّرَسَ خَلفَ الإشاراتِ المُرُورِيَّةِ، وَلِلفَقيرِ في الوَطَنِ كَرامَةٌ وَنُقطَةُ ماءٍ تَتَرَقْرَقُ في الأنفِ، فَإذا رَأيتَ في الشّارِعِ مَن يَتَسَوَّلُ فَاعلَم أنَّهُ لَيسَ فَقيرًا، إنَّما هِيَ تِجارَةُ سِلعَةٍ وَمِهنَةٍ، بِتَمويلِنا لِثَقافاتِ التَّسَوُّلِ وَشَفَقَتِنا على المُتَسَوِّلِ، وَبِتَعاطُفِنا مَعَ المُتَسَوِّلينَ قَد نَصنَعُ مِنَ الطِّفلِ دُميَةً وَسِلعَةً وَمِنَ الطُّفُولَةِ أُضحُوكَةً وَدَمعَةً وَمِنَ الكَسَلِ وَالعَجزِ خَندَقًا وَذَريعَةً.

_التَّسَوُّلُ تُجارَةٌ لا حاجَةَ_
وَما حَدَثَ مُؤَخَّرًا في ماليزيا مُعيبٌ حَقًّا وَيُندى لَهُ الجَبينُ، حَيثُ سُخِّرَ بَشَرٌ -حَتَّى الأطفالُ- لِلتَّسَوُّلِ.
لَيسَ إلّا انعِكاسًا لِهَذا الاتِّجارِ القَبيحِ، نَحنُ مَن يُساهِمُ بِتَمويلِ حَجَرِ الأساسِ في سِجنِ طُفُولَةِ الطِّفلِ.
وَنَحنُ مَن يَنقُلُ الإحسانَ إلى الاستِثمارِ، وَنَحنُ مَن يُدَجِّنُ حالَةَ البُؤسِ بِالشَّفَقَةِ، وَيُحَوِّلُ الفَضِيلَةَ إلى سِلعَةٍ في مَفهُومٍ رَمزيٍّ، وَحَسَبَ مَنطِقِ السُّوقِ، فَإنَّ المُتَسَوِّلَ مُجَرَّدُ ضَحِيَّةِ واجِهَةٍ لِطُغمَةٍ فاسِدَةٍ جِدًّا مِن تُجّارِ البَشَرِ.

_تَمويلُ التَّسَوُّلِ_
حَوَّلَ الإنسانَ إلى أداةٍ تُنتِجُ سِلعَةً بَشَرِيَّةً، وَهَذا ما كَشَفَتهُ بَعضُ التَّقاريرِ الأمنِيَّةِ الدَّولِيَّةِ مُؤَخَّرًا: شَبَكاتٌ عابِرَةٌ لِلقارّاتِ تُعيدُ تَدويرَ الفَقرِ كَـ "مُنتَجٍ" وَتَتاجِرُ بِهِ تَحتَ لافِتَةِ "الحاجَةِ".
وَلَكِنَّ الواجِبَ الأخلاقِيَّ يَأمُرُ كُلًّا مِنّا بِمَدِّ يَدِ العَونِ لاستِئصالِ هَذِهِ الزّائِدَةِ المَرَضِيَّةِ، نَعَم، _"الإحسانُ"_ فَضيلَةٌ وَخَيرٌ يَهدِفُ لِتَجفيفِ مَنابِعِ الحاجَةِ وَالعَوزِ،
لا لِتَمويلِ التَّسَوُّلِ وَاستِهلاكِ الفَقيرِ لِتَبقى "الأنا" في شُعُورِها: "أنا كَريمٌ"، وَبِهَذا الفَهمِ نَحنُ لا نُساعِدُ الفَقيرَ، بَل _نَستَهلِكُهُ_.

_دُمىً مُتَحَرِّكَةٌ_
دَورُ "الطِّفلِ" لَيسَ مَوضُوعًا لِلشَّفَقَةِ.
نَحنُ مَعَ الضّابِطَةِ العَدلِيَّةِ الرّادِعَةِ وَالمُتَفانِيَةِ في تَفكيكِ "اقتصادِيّاتِ الجَريمَةِ المُنَظَّمَةِ" الَّتي تَتاجِرُ بِالكَرامَةِ الإنسانيَّةِ.
إذا أعطَينا المُتَسَوِّلَ... فَإنَّنا نُشَرِّعُ قانُونًا عُرفِيًّا يُحارِبُ بَل يُناكِفُ الضَّوابِطَ الوَطَنِيَّةَ، مُشَجِّعًا على بَقاءِ الطِّفلِ في الشَّوارِعِ كَي نَشعُرَ نَحنُ المُمَوِّلونَ بِالرِّضا".
فَالدَّواءُ لَيسَ في العَطاءِ، لَكِن يَكمُنُ الدّاءُ في تَمويلِ التَّسَوُّلِ وَالاتِّجارِ بِالطُّفُولَةِ، أطفالٌ لَيسُوا مُتَسَوِّلينَ فَحَسبُ، بَل هُم أطفالُ دُمىً مُتَحَرِّكَةٍ، وَهُناكَ مَن يُحَرِّكُ الخُيوطَ مِن تَحتِ أَعناقِ التُّرابِ.
فَالعَطاءُ في غَيرِ مَوضِعِهِ إفسادٌ لِلمَوضِعِ ذاتِهِ،
وَالبِناءُ في غَيرِ مَوضِعِهِ هَدمٌ لِلمَوضِعِ ذاتِهِ،
وَالإحسانُ الَّذي لا يُغَيِّرُ المُتَغَيِّرَ هُوَ إساءَةٌ لِلتَّغييرِ ذاتِهِ.
نَستَهلِكُ صُورَةَ الطِّفلِ المُتَسَوِّلِ لِنُرضِيَ "الأنا المِثالِيَّةَ" فينا، وَإذا ما مَوَّلتَ طِفلًا مُتَسَوِّلًا فَذَلِكَ استِلابٌ لِجَسَدِهِ وَهَدرٌ لِكَرامَتِهِ وَجَلدٌ لِطُفُولَتِهِ.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير