اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الانحياز للمُستثمر.. من يحمي المواطن وملكيته؟

الأحد-2026-08-23 01:08 pm
جفرا نيوز -
محمود خطاطبة

makhatatbh@gmail.com


إقرار مجلس النواب مؤخرًا لمشروع القانون مُعدل لقانون الملكية العقارية لسنة 2026، بما يتضمنه من أحكام تتصل بالاستملاك، ليس مُجرد تعديل تشريعي عابر؛ بل محطة تستحق التوقف والمُراجعة، وخطوة تُثير أسئلة جدية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحق الملكية الذي كفله الدستور للمواطن، وبالتوازن المطلوب بين تشجيع الاستثمار وحماية الحقوق.


المُشكلة ليست في تنظيم الملكية العقارية، أو تطوير التشريعات، أو تسهيل الاستثمار، فهذه أهداف مشروعة ومطلوبة، وإنما في الكيفية التي تُصاغ بها النصوص التي تمس حقًا دستوريًا أصيلًا، بطريقة لا تُصبح فيها الكثير من إشارات الاستفهام، ما يعني قدرتها على تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحقوق أصحاب الأملاك.


فالمادة الحادية عشرة من الدستور الأردني، تنص على: "لا يستملك ملك أحد إلا للمنفعة العامة وفي مُقابل تعويض عادل حسبما يُعين في القانون"..
هذه قاعدة أو ضمانة دستورية يُفترض أن تكون حاضرة في كُل نص، لا يجوز الالتفاف عليها.


وتبدأ الأسئلة المشروعة عندما تتسع فكرة "المُنفعة العامة" إلى درجة يُصبح معها من المُمكن أن تتحول الأدوات إلى وسيلة تخدم، بطريقة مُباشرة أو غيرة مُباشرة، مشاريع أو مصالح استثمارية خاصة. فالشركات والمُستثمرون لهم الحق في الاستثمار، والدولة مُطالبة بتوفير البيئة المُناسبة، لكن ليس على حساب المواطن وملكيته.


الأصل أن يتفاوض ويتعاقد المُستثمر مع مالك الأرض. أما أن يدخل المواطن في هذه المعادلة وهو يعلم أن الطرف الآخر يستطيع، بصورة مُباشرة أو غير مُباشرة، الاستناد إلى قوة القانون للانتقاص من قُدرته على الرفض أو التفاوض، فهُنا يختل ميزان العدالة.


وفي المشاريع الكبرى، يجب أن تكون كُلفة الاستملاكات والتعويضات واضحة منذ البداية، ولها موازنات وبنود مالية مُستقلة، بحيث لا يتحول المواطن إلى الحلقة الأضعف في هذه المُعادلة.. وكأننا أمام سؤال: لمصلحة من أن يشعر صاحب الأرض (المواطن) بأن موقف المُستثمر أقوى منه عندما تتعارض المصالح؟.


حماية الملكية الخاصة لا تعني الوقوف في وجه الاستثمار، كما أن المُطالبة بتسهيل الاستثمار لا ينبغي أن تعني تخفيف الضمانات المُقررة للمواطن.. فالمُعادلة الأصح ليست: "إما الاستثمار وإما حماية الملكية"؛ وإنما الاستثمار في ظل حماية الملكية، والتنمية في إطار العدالة، وتشجيع المُستثمر من دون إضعاف ثقة المواطن بالقانون.


أما إذا قال أحدهم أن الحُكومة وافقت على آلية التعويض والمُبادلة للأراضي المُستملكة لمشروع سكة حديد ميناء العقبة وتوسعة البوتاس، مع إعفائها من "خصم الربع القانوني، فالرد هو أن هذا الإعفاء يقتصر فقط على مشروع "سكة العقبة"، أما بقية استملاكات شاريع سكة الحديد، ستخضع لأحكام قانون الملكية العقارية الجديد.


الكُرة الآن في ملعب مجلس الأعيان، وعليه معقود آمال، خصوصًا بعدما أقرت لجنته المُشتركة (القانونية والمالية)، مشروع القانون كما ورد من مجلس النواب؛ فهو مُطالب بمُراجعة جدية للنصوص التي يُمكن أن تُثير شبهة تعارض مع الضمانة الدستورية للملكية الخاصة.. فالمطلوب ليس تعطيل تشريع، ولا عرقلة استثمار، بل التأكد من أن أي نص جديد لا يتجاوز حدود الدستور، ولا ينتقص من جوهر الحقوق التي كفلها للمواطن.


الدول كُلها، ومن ضمنها الأردن، بحاجة إلى الاستثمار، لكنها تحتاج أيضًا إلى العدالة والثقة.. فالدولة التي تحمي مواطنها هي الأقدر على جذب المُستثمر، ثم أن واحترام الدستور سببًا رئيسًا لحماية استقرار ومصالح الدولة، أكانت داخليًا أم خارجيًا.


أما التنمية الاقتصادية فلا يصح أن تكون ذريعة للتراجع عن الدور الأساسي للدولة في حماية المواطنين ومُمتلكاتهم، كما لا ينبغي أن يشعر المواطن بأن القانون يُمكن أن يُستخدم ضده لمصلحة الطرف الأقوى.


فالاستثمار الحقيقي لا يحتاج إلى مواطن أضعف، وإنما إلى دولة أقوى في تطبيق القانون، وأكثر عدلًا في حماية الحقوق، وأكثر وضوحًا في تحقيق المصلحة العامة.. ويبقى السؤال: "إذا كان القانون يحمي الاستثمار، فمن يحمي المواطن وملكيته عندما تتعارض المصالح؟".
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير