جفرا نيوز -
الدكتورة دانييلا القرعان
منذ أن عرف الإنسان معنى الأسرة، عرف معها معنى "كبير العيلة" لم يكن الأكبر سناً دائماً، ولا الأغنى، ولا الأقوى، بل كان الشخص الذي إذا اختلف الجميع اجتمعوا عنده، وإذا تشعبت الآراء انتظروا كلمته، وإذا ضاقت السبل وثقوا بحكمته.
لم تنشأ هذه الفكرة صدفة، بل ولدت من حاجة البشر إلى مرجعية تنهي الخلاف، وتحمل عبء القرار، وتتحمل نتائجه، فالحياة لا تستقيم إذا أراد الجميع أن يكونوا أصحاب الكلمة الأخيرة، ولا تستقر إذا غابت الجهة التي توازن بين المصالح وتعيد الأمور إلى نصابها.
وفي العائلة، لا يشعر الأبناء بالضعف لأن لهم كبيراً، بل يشعرون بالأمان، ويدركون أن هناك من يسهر على مصلحتهم، ويقرب بينهم إذا اختلفوا، ويمنع الظلم إذا وقع، ويقول كلمة الفصل عندما تتعقد الأمور. لذلك بقيت عبارة "نرجع لكبير العيلة" تعبيراً عن الثقة أكثر مما هي تعبير عن السلطة.
وهكذا هي المجتمعات، وهكذا هي الدول، فالمؤسسات تتكامل، والمسؤوليات تتوزع، والاختصاصات تتعدد، لكن لا بد في نهاية المطاف من مرجعية عليا تتحمل مسؤولية القرار الكبير، وتحافظ على وحدة الاتجاه، وتصون استقرار الدولة، وتقف فوق الخلافات اليومية، لأن الأوطان لا تُدار بردود الأفعال، بل بالرؤية والحكمة.
وليس معنى ذلك أن المرجعية فوق القانون، بل على العكس، إن أعظم مرجعية هي التي تجعل القانون ميزانها، والعدل طريقها، والمساواة نهجها، فالقيادة الحقيقية لا تبحث عن الهيبة لنفسها، وإنما تستمد هيبتها من احترام الناس لها، ومن شعورهم بأنها لا تفرق بين قريب وبعيد، ولا بين قوي وضعيف، وأنها لا ترى في الوطن إلا أبناءً متساوين في الكرامة والحقوق.
لقد علمتنا الحياة أن السفينة لا يمكن أن تبحر إذا تشاجر جميع ركابها على المقود، وأن الأسرة لا تستقر إذا أراد كل فرد أن يكون كبيرها، وأن الدولة لا تزدهر إذا تضاربت المرجعيات وتعددت مراكز القرار، لذلك كانت القيادة الرشيدة نعمة، وكانت المرجعية الواحدة عنصراً من عناصر الاستقرار، لأنها تمنح الناس يقيناً بأن هناك من ينظر إلى المشهد كاملًا، ويتحمل مسؤولية القرار أمام الوطن والتاريخ.
إن احترام المرجعية لا يعني تعطيل الرأي، ولا إلغاء الحوار، ولا إسكات النقد، بل يعني أن يكون للحوار نهاية، وللاختلاف سقف، وللقرارات جهة تتحمل مسؤوليتها، فالدول القوية ليست تلك التي يخلو فيها الناس من الاختلاف، وإنما تلك التي تعرف كيف تدير اختلافها تحت مظلة القانون، وفي ظل قيادة تحظى بالشرعية والثقة.
ولعل أجمل ما في فكرة "كبير العيلة" أنها ليست امتيازاً بل تكليف، إنها حملٌ ثقيل قبل أن تكون مكانة، ومسؤولية قبل أن تكون وجاهة، واختبار دائم للعدل قبل أن تكون سلطة، فإذا اقترنت القيادة بالحكمة، والشرعية بالعدل، والقوة بالرحمة، اطمأن الناس، واستقرت الأوطان، وشعر الجميع أن فوق كل مسؤول مسؤولية أكبر، وأن في قمة الهرم من يحمل همّ الوطن كله، لا همّ نفسه وحدها.