جفرا نيوز -
بقلم بلال محمود آل خطاب
هناك رجال يمرّون في المواقع، وهناك رجال تبقى المواقع شاهدة على حضورهم، وسماحة قاضي القضاة الشيخ عبد الحافظ نهار الربطه، في تقديري، من الصنف الثاني؛ رجل لا يستمد هيبته من منصبه، بل يضيف إلى المنصب من وقاره وعلمه واتزانه، حتى تشعر أن المكان والرجل قد التقيا في اللحظة المناسبة.
حين تتابع سماحته، لا تحتاج إلى كثير من الوقت لتكتشف أنك أمام شخصية تعرف معنى المسؤولية، وتدرك أن المواقع الكبرى لا تليق إلا بمن يعرف ثقلها. هدوء في الحديث، ودقة في العبارة، واتزان في الموقف، وحضور لا يحتاج إلى ضجيج كي يفرض احترامه. وهنا تحديدًا تكمن قيمة الرجال؛ فالهيبة الحقيقية لا تصنعها المكاتب الفخمة ولا الألقاب ولا كثرة الحرس والمراسم، بل يصنعها العلم، وتصنعها الأخلاق، وتصنعها سيرة الرجل عندما يلتقيه الناس فيجدون فيه من التواضع بقدر ما يحمل من مكانة.
ومن يتأمل شخصية الشيخ عبد الحافظ الربطه يرى عالمًا لم يزده العلم إلا وقارًا، ومسؤولًا لم يبعده الموقع عن الناس، وقاضيًا يعرف أن العدالة ليست نصوصًا جامدة، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون حكمًا يصدر على الورق.
وليس موقع قاضي القضاة موقعًا عابرًا في الدولة الأردنية؛ إنه موقع يلامس الأسرة الأردنية في تفاصيل حياتها اليومية، ويحمل مسؤولية قضايا تتصل بالزواج والطلاق والنفقة والميراث وحقوق الأطفال والنساء والرجال، وهي ملفات لا تحتمل إدارة باردة أو عقلًا بعيدًا عن الناس. فخلف كل قضية حكاية إنسان، وخلف كل ملف أسرة، وخلف كل حكم مستقبل قد يتغير. ومن هنا تظهر الحاجة إلى رجل يجمع بين العلم والحكمة، وبين قوة القانون ورحمة الإنسان، وبين الحفاظ على هيبة القضاء وفهم ظروف المجتمع. وسماحة الشيخ عبد الحافظ الربطه يحمل هذا المعنى بصورة واضحة.
تولى سماحته منصب قاضي القضاة بإرادة ملكية سامية في تشرين الثاني من عام 2019، ليبدأ مسيرة قادت خلالها دائرة قاضي القضاة نحو محطات عدة لافتة: من استحداث المحكمة العليا الشرعية والنيابة العامة الشرعية، إلى توسيع مظلة صندوق تسليف النفقة وإطلاق استراتيجيته الجديدة للأعوام 2026-2028، مرورًا بافتتاح مجمعات قضائية حديثة كمجمع محاكم إربد الشرعية، وصولًا إلى التوسع في الخدمات الإلكترونية التي قرّبت العدالة من المواطن وخفّفت عنه عناء المراجعة. وهذه ليست إنجازات تُذكر لمجرد الذكر، بل هي مؤشرات على عقلية إدارية تؤمن بأن احترام التاريخ لا يعني الوقوف في الماضي، وأن المحافظة على ثوابت المؤسسة لا تمنعها من أن تكون حديثة في أدواتها، سريعة في خدماتها، وقريبة من الناس.
وهذا النوع من الإدارة هو ما تحتاجه مؤسسات الدولة؛ إدارة هادئة لا تبحث عن التصفيق، لكنك تجد أثرها حين تتغيّر المؤسسة إلى الأفضل. ولعل ما يزيد احترام الرجل أن موقعه الديني لم يجعله بعيدًا عن مفهوم الدولة الحديثة، بل إن خطاب سماحته - في لقاءاته المتكررة مع رئاسة مجلس النواب وجمعية المحامين الشرعيين وقضاة المحاكم في مختلف المحافظات - يربط باستمرار بين الدين والعدل، وبين القانون والأخلاق، وبين قوة الدولة واحترام حقوق الإنسان. فالدين عند العالم الحقيقي ليس صوتًا مرتفعًا، وإنما عدل ورحمة وأمانة، والقضاء ليس سلطة على الناس بل مظلة تحمي حقوقهم، والمنصب ليس امتيازًا بل حمل ثقيل لا يقدر عليه إلا من عرف معنى الأمانة. وسماحة الشيخ عبد الحافظ الربطه من الرجال الذين تشعر أن كلمة "الأمانة" تليق بهم.
ولعل من أجمل جوانب عمل القضاء الشرعي اهتمامه بالإصلاح الأسري؛ فالقضاء الناجح لا يفتخر فقط بعدد الأحكام التي أصدرها، بل أيضًا بعدد البيوت التي استطاع أن يحميها من الانهيار، وبعدد الحقوق التي أعادها إلى أصحابها، وبعدد الحالات التي استطاع فيها القانون أن يكون رحيمًا دون أن يكون ضعيفًا. هذه هي العدالة التي نريدها: عدالة لها قلب لكن لها هيبة، رحيمة لكنها لا تفرّط بحق، قريبة من الناس لكنها لا تتنازل عن ميزان القانون. وعندما يكون في رأس هذه المنظومة رجل يحمل علمًا شرعيًا واسعًا وتجربة إدارية وحسًا وطنيًا، فإن ذلك يمنح المؤسسة قدرًا أكبر من الثقة والاطمئنان.
أما القدس، فلها في خطاب سماحته مكانتها التي تليق بها؛ فهو لا يتعامل معها بوصفها عنوانًا سياسيًا عابرًا، وإنما بوصفها عقيدة وتاريخًا وأمانة، ويؤكد على المكانة التي تحملها المقدسات الإسلامية والمسيحية، وعلى الدور الهاشمي التاريخي في رعايتها والدفاع عنها. وهنا يلتقي العالم مع رجل الدولة؛ فالحديث عن القدس في الأردن ليس مناسبة موسمية، بل جزء من هوية الدولة وموقفها وثوابتها، وجزء من الأمانة التي حملها الهاشميون عبر التاريخ. وسماحة الشيخ عبد الحافظ الربطه يدرك هذه الحقيقة، ويعبّر عنها بلسان العالم الذي يعرف قيمة القدس، وبموقف الأردني الذي يعرف حجم الرسالة التي يحملها وطنه.
وإذا أردنا أن نتحدث عن الرجل بعيدًا عن الألقاب، فإن أجمل ما يمكن أن يُقال فيه إن الوقار يسبقه إلى المكان، وهذه نعمة لا تمنحها المناصب. فهناك من يدخل عليك فيحتاج إلى أن يحدّثك طويلًا عن نفسه حتى يقنعك بمكانته، وهناك من يكفي أن تراه وتستمع إليه لتعرف أنك أمام رجل عرف العلم وعرفته المسؤولية. وسماحة الشيخ عبد الحافظ الربطه من هؤلاء؛ في وجهه هدوء العالم، وفي كلماته ميزان القاضي، وفي حضوره صورة من صور المدرسة الأردنية التي نحترمها: مدرسة الاعتدال، والاتزان، والبعد عن الاستعراض.
وما أحوجنا اليوم إلى هذه المدرسة. نحتاج إلى مسؤولين لا يطاردون الكاميرات، وإلى علماء لا يجعلون الدين ساحة للصراخ، وإلى رجال دولة يفهمون أن احترام المواطن لا يقلل من هيبة الدولة بل يزيدها، وإلى شخصيات عندما تتحدث يستمع الناس إليها لأنها لم تستهلك كلماتها في كل مناسبة.
وهذه الصفات مجتمعة تجعل من سماحة الشيخ عبد الحافظ الربطه شخصية تستحق التقدير، لا لأنه يشغل واحدًا من أرفع المواقع الشرعية في المملكة فقط، وإنما لأنه يقدّم نموذجًا لما يجب أن يكون عليه صاحب هذا الموقع. فالعلم وحده لا يكفي، والمنصب وحده لا يكفي، والهيبة وحدها لا تكفي؛ لكن حين يجتمع العلم مع الخلق، والهيبة مع التواضع، والحكمة مع الحزم، والوطنية مع الاعتدال، يصبح للرجل مقام لا تصنعه القرارات الرسمية، بل يصنعه الإنسان لنفسه.
لقد تعلّمنا أن الرجال الكبار لا تُقاس عظمتهم بما جمعوه لأنفسهم، بل بما قدّموه للناس، ولا بعدد السنوات التي شغلوا فيها المناصب، بل بما تركوه بعد تلك السنوات. والذي يبقى في النهاية ليس صورة المسؤول على مكتبه، ولا اسمه على باب المؤسسة، بل يبقى الذكر الطيب؛ يبقى أن يقول الناس: كان عادلًا، كان محترمًا، كان قريبًا من الناس، كان أمينًا على موقعه. وهذه الكلمات، في ميزان الرجال، أثمن من كل الألقاب.
ومن هنا أكتب عن سماحة قاضي القضاة الشيخ عبد الحافظ نهار الربطه بكثير من الاحترام، وأقول إن الأردن محظوظ حين يكون في مؤسساته رجال يحملون العلم بهذه الهيبة، ويحملون المسؤولية بهذا الاتزان. ليس المدح هنا لشخص لأن موقعه كبير، بل الاحترام لرجل أعطى موقعه من شخصيته، وحمل العمامة بوقار، والعدل بميزان، والمسؤولية بأمانة.
تحية تليق بسماحة الشيخ عبد الحافظ الربطه؛ تحية للعالم الذي يعرف أن العلم تواضع، وللقاضي الذي يعرف أن العدل رحمة وهيبة، وللمسؤول الذي يعرف أن الناس هم الغاية من كل مؤسسة عامة، ولرجل كلما علا موقعه بقيت البساطة والوقار هما عنوان حضوره.
نسأل الله أن يمدّ سماحته بالصحة والعافية، وأن يبارك في علمه وعمله، وأن يوفقه إلى مزيد من الخير وخدمة الوطن والناس، وأن يبقى واحدًا من الوجوه الأردنية التي تبعث في النفس الطمأنينة بأن مؤسسات هذا الوطن ما زال فيها رجال يعرفون قيمة الدولة، وقيمة القانون، وقيمة الإنسان.
وحفظ الله الأردن عزيزًا قويًا منيعًا، وحفظ صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وحفظ سمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وحمى قيادته وشعبه، وأبقى الأردن وطنًا للعدل والاعتدال والكرامة، ورايته عالية بين الأمم.