جفرا نيوز -
بقلم : حامد النبابته "مستشار سابق لوزير الطاقة والثروة المعدنية - مستشار سابق في صندوق الأوبك للتنمية الدولية (OFID) "
منذ اللحظة التي بدأت فيها حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تتراوح بين إغلاق فعلي وتوقف جزئي، لم يعد السؤال المطروح على دول الجوار: هل ستتأثر بما يجري؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: من يملك، حين تهتزّ الجغرافيا، بديلاً جاهزاً يحوّل موقعه من نقطة عبور إلى نقطة قرار؟ هذا المقال قراءة في تلك اللحظة، وفي الفرصة السيادية التي تختبئ داخلها.
نقطة اختناق العالم
يعبر مضيق هرمز، في الأحوال الطبيعية، نحو خُمس تجارة النفط الخام المنقولة بحراً في العالم، وما يقارب ربع إجمالي التجارة البحرية للنفط، إضافة إلى خُمس تجارة الغاز المسال عالمياً. هذه ليست أرقاماً تقنية تخصّ متخصصي الطاقة وحدهم، بل هي المعادلة التي تتحكم يومياً بكلفة الوقود في كل ميناء ومصنع ومحطة كهرباء من طوكيو إلى روتردام. حين يهتزّ ممر بهذا الحجم من الثقل، فإن الاهتزاز لا يبقى محلياً؛ إنه يعيد تسعير المخاطر في كل الممرات الدولية الأخرى، لأن الثقة في أمن سلاسل إمداد الطاقة، خلافاً للنفط والغاز أنفسهما، سلعة لا تُعوَّض بسهولة.
حين يتراجع الرقم، يتقدّم السؤال
تُظهر بيانات الربع الأول من عام 2026 تراجعاً في تدفقات النفط عبر المضيق بما يقارب ثلاثين بالمئة على أساس سنوي، فيما انكمشت حركة الملاحة الفعلية من خمسين سفينة خلال أسبوع إلى ثلاث وثلاثين سفينة خلال أربعة أيام فقط — تراجع حاد يوثّق بالأرقام ما بات واضحاً بالمشاهدة. غير أن الدلالة الأعمق لا تكمن في الرقم نفسه، بل في ما يكشفه: أن الاعتماد الكلي على ممر بحري واحد لتصدير خُمس نفط العالم لم يعد ملاحظة نظرية يتداولها الباحثون في أوراقهم، بل عبء استراتيجي فعلي يتحمّله المنتجون والمستهلكون معاً في كل تصعيد.
الغاز الذي لا بديل لموانئه
إن كان النفط يملك بعض المرونة عبر خطوط أنابيب برية محدودة، فإن الغاز المسال لا يملك هذه الرفاهية. تعبر المضيق النسبة الغالبة من صادرات دول الخليج المنتجة للغاز المسال، في غياب تام لأي بديل نقل لموانئ الإسالة الواقعة داخل الخليج خلف المضيق. حين يُغلق الممر، لا تُواجه هذه الدول تراجعاً في الإيرادات فحسب، بل انقطاعاً فعلياً عن أسواقها. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين أزمة عابرة يمكن امتصاصها، وأزمة بنيوية تفرض على كل دولة متاخمة لهذه الجغرافيا أن تعيد تعريف موقعها من الأزمة، لا أن تكتفي بمراقبتها.
من نقطة اختناق إلى مرآة إقليمية
يعمل وسطاء إقليميون اليوم على فصل ملف الملاحة عن مسار التسوية السياسية الأشمل، وهو في جوهره قرار استراتيجي يستهدف تقليص الزمن الذي يبقى فيه الاقتصاد العالمي رهينة للتوقيت السياسي. من يقرأ هذا الفصل جيداً يدرك أن الجغرافيا السياسية، في لحظات كهذه، تتحوّل من معطى جامد إلى أداة تفاوضية حيّة — ومن يستثمر في فهمها هو من يملك زمام المبادرة حين تُعاد صياغة موازين النفوذ الإقليمي.
الجغرافيا السياسية، في لحظات التصعيد، ليست خريطة ثابتة، بل أداة تفاوض تُستخدم أو تُستَخدَم بها.
كلفة الغياب لا كلفة الحضور
للأزمة كلفة ظاهرة يسهل قياسها: ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري، وتقلّب حاد في أسعار الطاقة عالمياً، وضغط تضخّمي ينتقل من آسيا المستوردة إلى أوروبا الصناعية. غير أن الكلفة الأعمق أصعب قياساً وأشد أثراً: تآكل الثقة الاستثمارية في استقرار سلاسل إمداد الطاقة برمّتها، بما يدفع صناديق الثروة السيادية وشركات الطاقة الكبرى إلى إعادة تسعير المخاطر الإقليمية بأكملها، لا مخاطر المضيق وحده. وهذه اللحظة بالذات — لحظة إعادة التسعير — هي ما يمنح البدائل السيادية المطروحة بجدية قيمتها الحقيقية؛ فالبديل الذي يُقدَّم وسط الأزمة، بمواصفات مصرفية وجدوى قابلة للتحقق، لا كفكرة نظرية، يصبح أداة فعلية لإعادة توزيع المخاطر عالمياً.
لماذا لا يكفي بديل واحد؟
أقصى ما تستوعبه خطوط النقل البرية القائمة اليوم لا يتجاوز نسبة محدودة من الحجم الطبيعي لتدفقات المضيق. الفجوة بين ما يعبر بحراً وما يمكن تحويله براً فجوة بنيوية، لا يمكن سدّها بممر واحد مهما بلغت طاقته. من هنا تتضح حقيقة مركزية: لا يمكن لأي ممر بديل منفرد أن يكون كافياً بمفرده، وتصبح شبكة ممرات سيادية متعددة — لا ممراً واحداً — هي صيغة الأمن الحقيقية لسلاسل إمداد الطاقة العالمية. هذه ليست دعوة لبديل ينافس المضيق، بل لمنظومة توزّع المخاطر بدل أن تركّزها في نقطة واحدة.
ثلاثة مسارات، وبنية واحدة تصمد في كلٍّ منها
يتقاسم المشهد اليوم ثلاثة مسارات محتملة: تصعيد متقطع يطيل أمد التعطّل ويعيد رسم خرائط الشحن العالمية لسنوات، أو تسوية جزئية تفتح ممراً ملاحياً موازياً تحت ضمانات إقليمية دون حسم الملف الأوسع، أو تهدئة أشمل تعيد فتح المضيق ضمن اتفاق سياسي متكامل. غير أن الفارق الجوهري بين من يخرج من هذه اللحظة رابحاً ومن يخرج منها متفرجاً ليس في القدرة على التنبؤ بأي هذه المسارات سيتحقق، بل في بناء بنية تحتية ومؤسسية تبقى ذات قيمة في المسارات الثلاثة جميعاً. من دخل الأزمة وهو يملك بالفعل بديلاً جاهزاً للتفعيل، يدخل كل مسار من موقع من يملك خياراً، لا من موقع من ينتظر نتيجة.
من الجغرافيا العابرة إلى الجغرافيا السيادية
في هذا المشهد، يقع الأردن على خط التماسّ المباشر بين خليج مضطرب ومتوسط لا يزال يحافظ على استقراره النسبي — دون أن يكون طرفاً في الأزمة. غير أن هذا الموقع، إن قُرئ بعين المرور العابر وحدها، لا يُنتج أكثر من طريق شحن آخر يضاف إلى خريطة الممرات. أما حين تُقرأ الجغرافيا نفسها بعين هندسة البدائل، فإنها تتحوّل إلى شيء مختلف تماماً: منظومة متكاملة تربط خطوط النفط والغاز، بالربط الكهربائي وتطوير الهيدروجين الأخضر، بمنظومة لوجستية متكاملة تصل الممر بمحاور التجارة العالمية، بإطار مالي موحّد يجعل المشروع قابلاً للتمويل المصرفي المباشر لا مجرد فكرة استراتيجية على الورق. بهذا التكامل وحده يتحوّل الموقع الجغرافي إلى ممر طاقة سيادي محايد، قادر فعلياً على استيعاب جزء من الحمل المتعطل حين يضيق المضيق.
الفرق بين طريق شحن وممر سيادي ليس في الخريطة، بل في القرار الذي يُبنى عليها.
دعوة إقليمية، لا طرح منفرد
هذه المكوّنات الأربعة ليست طرحاً أردنياً منفرداً، ولا التزاماً أحادياً بتمويل مشروع وطني بمفرده؛ إنها رؤية إقليمية مشتركة مطروحة أمام صناديق الثروة السيادية الخليجية، ومؤسسات التمويل الدولية، والدول المجاورة المعنية بأمن الطاقة الإقليمي، للمساهمة في بناء بديل يخدم أمن الطاقة الإقليمي والعالمي معاً. فالممر السيادي القادر على الصمود أمام تقلبات الجغرافيا لا يُبنى بقرار دولة واحدة، مهما بلغ حسن استعدادها، بل بشراكة الدول التي تدرك أن استقرار الإقليم مصلحة مشتركة لا تحتمل التأجيل.
القرار السيادي: مسألة توقيت لا مسألة اختيار
من يطرح بديله والعالم لا يزال يبحث عن حلول، يحوّل موقعه الجغرافي إلى نفوذ دائم. ومن ينتظر انتهاء الأزمة ليتحرك، يجد نفسه يتفاوض في نهاية المطاف على شروط رسمها آخرون قبله. هذا هو جوهر المسألة: القرار السيادي، في لحظات كهذه، ليس مسألة اختيار بين بدائل متاحة على مهل، بل مسألة توقيت يُحسم بسرعة القراءة وسرعة الفعل معاً.
والشرق الأوسط الذي يسوده المنطق والعدالة هو، في نهاية المطاف، ذلك الذي يمنح كل دولة فيه فرصة أن تتحوّل من موقع جغرافي على الخريطة إلى شريك في صناعة القرار الاقتصادي العالمي. وهذه فرصة لا تُمنح لأحد؛ إنها تُبنى، خطوة فخطوة، بالقرار الذي يُتخذ الآن، لا بالقرار الذي يُؤجَّل إلى ما بعد أن تهدأ الجغرافيا من تلقاء نفسها.