اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

النمر تكتب: جوقة اللاوعي

الخميس-2026-07-23 11:15 am
جفرا نيوز -
بقلم الإعلامية رانيا عثمان النمر 

لقد أثبتت التجارب الحديثة أن قوة الدول  لم تعد تقاس بامتلاك القرار، وإنما بامتلاك القدرة على تشكيل إدراك الناس للقرار. ففي الأدبيات السياسية والإعلامية يُعرف ذلك بـ"إدارة الإدراك العام"، أي التأثير في الطريقة التي يفهم بها الناس الأحداث، لا في الأحداث نفسها. أي لا تعود معركة السياسة والإعلام تدور حول الوقائع، بل حول تفسيرها، وبدلا من  السؤال: ماذا حدث فعليا؟  يصبح " من يملك حق رواية وتفسيرما حدث"؟

 بينما الأصل كما كتب الفيلسوف الألماني  هابرماس أن قوة الدولة الحديثة لا تُقاس بقدرتها على فرض خطابها، بل بقدرتها على إدارة فضاء عام ينتصر فيه العقل على الضجيج.

ولعل القضايا الثلاث التي استحوذت على اهتمام الأردنيين خلال هذا الشهر  تقدم نموذجًا واضحًا لهذه الحالة. قد تبدوا للوهلة الأولى منفصلة، لكنها في الحقيقة كشفت عن أزمة واحدة: أزمة إدارة السردية العامة، والخوف من السؤال، والخلط بين حماية هيبة ومكانة الدولة وبين حماية صورة الدولة.

القضية الأولى كانت استقالة  أحد الوزراء، وما رافقها من نقاشات لم تركز على  دلالاتها المؤسسية العميقة ( مثلا كيف نفعل 
دور ديوان المحاسبة) بقدر ما انشغلت بهاجس آخر: كيف نوجه البوصلة بحيث  لا تُوصم الدولة بالفساد؟ وكأن مجرد طرح أسئلة حول الشفافية أو المساءلة أصبح في نظر البعض، شبهة إدانة للدولة نفسها.

هنا تكمن المفارقة فالدول الحديثة المدنية  لا تخشى النقاش حول شبهات  الفساد، بل تخشى إنكار وجوده. لأن الاعتراف بوجود خلل، والسعي إلى معالجته، هو ما يعزز الثقة العامة، بينما يؤدي تحويل كل نقاش إلى معركة دفاعية يؤدي إلى ترسيخ الانطباع بأن الصورة أهم من الحقيقة. 

الدولة ليست مرادفًا للأشخاص، ولا تختزل في مسؤول أو حكومة، بل تزداد قوة عندما تسمح للمساءلة بأن تكون جزءًا من مناعتها لا تهديدًا لها.

اللافت لم يكن الاستقالة بحد ذاتها، وإنما الطريقة التي أُدير بها النقاش بعدها إذ بدا الخطاب الرسمي، في نظر شريحة واسعة من المتابعين، منصرفًا إلى حماية صورة المسؤول والدولة من أي ربط بقضايا شبهات فساد، أكثر من انصرافه إلى استيعاب الأسئلة التي أثارها الرأي العام.

وهنا برز سؤال يستحق التأمل: هل أصبح مجرد التساؤل عن أداء أي مسؤول، أو المطالبة بمحاسبته، يُفسَّر بوصفه مساسًا بالدولة؟!

هذا الخلط بين الدولة والمسؤول يمثل أحد أخطر الأخطاء في بناء الثقافة السياسية. فالوزير ليس الدولة، بل مسؤول عام يتولى موقعًا مؤقتًا لخدمة المصلحة العامة، ومن الطبيعي أن يخضع للنقد والمساءلة والتقييم. أما الدولة فهي كيان دائم، تزداد هيبته عندما تكون مؤسساته قادرة على تقبل النقد، لا عندما تحيط المسؤولين بهالة من الحصانة والقدسية.

أما القضية الثانية، فكانت ظاهرة حساب "الجنرال". وبغض النظر عن هوية القائم عليه، فإن أهمية الظاهرة لا تكمن في الشخص، وإنما فيما كشفته عن طبيعة المجال الإعلامي الجديد. فقد استطاع الحساب، أن يستقطب اهتمامًا لافتًا، وأن يصبح محورًا للنقاش العام في لحظات بدا فيها أكثر حضورًا من المنصات الرسمية.

ولا ينبغي قراءة ذلك باعتباره انتصارًا لحساب على حساب آخر، بل باعتباره رسالة إعلامية تستحق التأمل. ففي العصر الرقمي لم يعد الجمهور يبحث عن المعلومة فحسب، بل اللغة التي تشعره بأن أحدًا يخاطب أسئلته الحقيقية.

إن الإقبال الواسع على منصة الجنرال  لا يعكس بالضرورة رفضًا للمؤسسات الرسمية، بقدر ما يعكس حاجة الجمهور إلى خطاب أكثر قربًا، وأكثر تفاعلًا، وأكثر قدرة على مواكبة إيقاع الرأي العام وهموم الناس. ولذلك فإن المنافسة اليوم ليست على امتلاك المعلومة، بل على امتلاك ثقة الجمهور. وهذه الثقة لا تُكتسب بالإمكانات وحدها، وإنما بالمصداقية، والقدرة على بناء حوار حقيقي مع الناس.

أما القضية الثالثة، فتمثلت في النقاش حول تجريم تسريب الوثائق. ولا خلاف على أن حماية الوثائق التي تمس الأمن الوطني ( أسرار عسكرية أو استخباراتية) أو الحقوق الشخصية ضرورة قانونية لا غنى عنها. لكن الدولة الحديثة لا تقوم على السرية المطلقة، كما لا تقوم على الفوضى المطلقة، وإنما على توازن دقيق بين حماية المعلومات الحساسة وضمان حق المجتمع في المعرفة عندما يتعلق الأمر بالشأن العام والمال العام والمصلحة العامة.

فكلما اتسعت دائرة السرية بلا معايير واضحة كلما ضعفت أدوات الرقابة وضعفت معها أدوار الصحافة، واتسعت معها مساحة التأويل وازدادت قناعة المجتمع بإخفاء الحقائق، وفقدت الرواية الرسمية جزءًا من قدرتها على الإقناع. أما الشفافية المنضبطة بالقانون، فهي التي تعزز الثقة وتمنح المؤسسات قوة أكبر، لأنها تجعل الحقيقة شريكًا للدولة لا خصمًا لها.
إن الديمقراطيات لا تُقاس بعدد الوثائق التي تنجح في إخفائها، وإنما بقدرتها على بناء منظومة تجعل الشفافية هي الأصل، والسرية هي الاستثناء المبرر بالقانون

قد تبدو هذه القضايا الثلاث متباعدة، لكنها في جوهرها تدور حول سؤال واحد: كيف تُبنى الثقة بين الدولة والمجتمع؟ هل تُبنى باحتكار الرواية؟ أم بجعل الرواية الرسمية أكثر قدرة على الإقناع؟

وهنا تبدأ جوقة اللاوعي بالعزف إنها ليست مجموعة من الأشخاص، بل حالة ذهنية  تجعل المجتمعات تختار الاصطفاف بدل التفكير، والتصنيف بدل الحوار، والانفعال بدل التحليل. وهي لا تصيب العوام  وحدهم، بل قد تصيب الإعلام، والسياسيين، وحتى المؤسسات عندما تنشغل بإدارة الانطباعات أكثر من انشغالها بإدارة الحوار، وبحماية الأشخاص أكثر من حماية المبادئ. وتتحول كل قضية إلى معركة ولاء.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير