اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

النبابتة يكتب "ندما تضطرب المنطقة… يبقى الأردن عنوان الحكمة والاستقرار"

الأحد-2026-07-19 07:02 pm
جفرا نيوز - * قراءة في زمن التصعيد الإقليمي: كيف يحافظ الأردن على أمنه ودوره وسط صراعات القوى الكبرى؟

بقلم: المهندس حامد النبابته

في منطقة اعتادت أن تتغير موازينها السياسية والأمنية تحت تأثير الأزمات المتلاحقة، تبقى قيمة الدول الحقيقية في قدرتها على الحفاظ على توازنها عندما يختل توازن الآخرين، وفي قدرتها على حماية مصالحها الوطنية بعيداً عن الانفعال وردود الفعل.

واليوم، بينما تمر منطقة الشرق الأوسط بمرحلة دقيقة نتيجة تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وما يرافق ذلك من تداعيات إقليمية واسعة، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى قراءة هادئة وعقلانية للمشهد، بعيداً عن التهويل من جهة، أو التقليل من حجم المخاطر من جهة أخرى.

الأردن، الذي يقع في قلب هذه المنطقة المضطربة، لم يكن يوماً طرفاً في صراعات الآخرين، بل اختار عبر تاريخه نهج الاعتدال والتوازن، وجعل من الاستقرار وحماية مصالحه الوطنية أساساً لسياسته الداخلية والخارجية.

لكن الجغرافيا تفرض أحياناً على الدول أن تتعامل مع أحداث لا تختارها. فالأردن يقع في منطقة تتقاطع فيها ملفات الأمن والطاقة والسياسة، وهو ما يجعل تداعيات الأزمات الإقليمية تصل إليه حتى لو لم يكن طرفاً فيها.

التصعيد الإيراني–الأميركي: أزمة إقليمية تتجاوز حدود الطرفين

إن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران ليست مجرد خلاف ثنائي، بل هي جزء من مشهد إقليمي معقد يرتبط بالنفوذ والأمن والطاقة ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.

ومع تصاعد التوتر، فإن المسؤولية تقتضي النظر إلى الأحداث بواقعية؛ فالقوة العسكرية قد تستخدم للردع والضغط، لكنها لا تلغي حقيقة أن الحلول السياسية تبقى في النهاية الطريق الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار.

وفي المقابل، فإن استمرار التصعيد يحمل مخاطر لا تقتصر على أطراف المواجهة، بل تمتد إلى دول المنطقة من خلال ارتفاع المخاطر الأمنية، واضطراب الأسواق، وزيادة الضغوط الاقتصادية.

الأردن… الحياد الذي تحميه القوة والحكمة

اختار الأردن منذ عقود سياسة تقوم على الاعتدال والتوازن، والمحافظة على علاقاته مع مختلف الأطراف، مع إعطاء الأولوية دائماً للمصلحة الوطنية.

والحياد الأردني ليس موقفاً سلبياً أو ابتعاداً عن الواقع، بل هو سياسة واعية تهدف إلى حماية الدولة من الانجرار إلى صراعات لا تخدم أمنها أو مستقبلها.

وفي الوقت نفسه، فإن حماية السيادة الوطنية واتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمن البلاد ومجالها الجوي ومنشآتها الحيوية هو حق طبيعي لكل دولة مسؤولة.

فالدولة الحكيمة هي التي لا تبحث عن المواجهة، لكنها لا تسمح بأن تكون أمنها ومصالحها عرضة للخطر.

الأمن الاقتصادي… خط الدفاع الثاني عن الدولة

في الأزمات الكبرى، لا تكون التحديات أمنية فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد وحياة المواطنين. فارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وتأثر التجارة والاستثمار، كلها عوامل تحتاج إلى استعداد وطني.

ومن هنا فإن تعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على الصمود يجب أن يكون أولوية استراتيجية من خلال:

* تعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادرها.
* الإسراع في مشاريع الطاقة المحلية والمتجددة.
* تطوير دور الأردن كمركز إقليمي للطاقة والنقل.
* دعم الإنتاج الوطني وتقليل الاعتماد على الخارج.
* حماية البيئة الاستثمارية وتعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد الأردني.

فالأمن الاقتصادي اليوم أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني.

ماذا يحتاج الأردن في هذه المرحلة؟

أولاً: إدارة الأزمة بالهدوء والحكمة
فالدول لا تتخذ القرارات الاستراتيجية تحت ضغط الأحداث، بل من خلال تقييم المصالح بعيدة المدى.

ثانياً: رفع الجاهزية الوطنية
من خلال حماية المنشآت الحيوية، وتعزيز أنظمة التعامل مع الطوارئ، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.

ثالثاً: تعزيز الثقة بين الدولة والمواطن
فالمجتمع المتماسك هو أهم عناصر القوة في الأزمات، والشفافية في التواصل تساعد على مواجهة الإشاعات والقلق.

رابعاً: تحويل التحديات إلى فرص
فموقع الأردن الجغرافي واستقراره السياسي يمكن أن يشكلا فرصة استراتيجية لتعزيز دوره في مجالات الطاقة والتجارة والربط الإقليمي.

رسالة إلى المواطن الأردني

من الطبيعي أن يشعر المواطن بالقلق أمام مشاهد التصعيد في المنطقة، لكن التجارب التاريخية تؤكد أن الدول لا تعبر الأزمات بالخوف، بل بالوعي والثقة والالتفاف حول مؤسساتها.

لقد واجه الأردن خلال تاريخه الحديث تحديات كثيرة، وكان دائماً قادراً على الحفاظ على استقراره بفضل تماسك مجتمعه، وحكمة قيادته، وكفاءة مؤسساته.

واليوم، فإن مسؤوليتنا جميعاً هي المحافظة على الهدوء، والابتعاد عن الشائعات، وإدراك أن قوة الأردن لا تكمن فقط في إمكاناته المادية، بل في رصيده السياسي والإنساني وقدرته على بناء علاقات متوازنة مع العالم.

الخاتمة: الأردن… صوت الحكمة في زمن الاضطراب

قد لا يستطيع الأردن تغيير مسار الصراعات الكبرى في المنطقة، لكنه يستطيع أن يحدد كيف يتعامل معها، وكيف يحمي أمنه ومصالحه ومستقبل أبنائه.

فالدول لا تُقاس فقط بحجمها، بل بقدرتها على الثبات عندما تضطرب الظروف، وعلى تحويل التحديات إلى فرص.

وعندما تضطرب المنطقة، يبقى الأردن عنوان الحكمة والاستقرار؛ دولة لا تبحث عن العواصف، لكنها تعرف كيف تعبرها، وتحافظ على موقعها كصوت للعقل والاعتدال في إقليم يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الحكمة والمسؤولية.

المهندس حامد النبابته  
مستشار وزير الطاقه الأسبق 
مستشار في صندوق الاوبك       
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير