جفرا نيوز -
د. فراس محمود الدعجة
لم يعد الحديث عن امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) مجرد نقاش تربوي، بل أصبح قضية وطنية تمس كل بيت أردني. فالنظام الحالي، الذي يمتد لعامين، لم يحقق الطمأنينة المنشودة، بل أضاف أعباءً نفسية ومالية وتعليمية أثقلت كاهل الطلبة وأسرهم.
فالطالب اليوم لا يعيش عامًا دراسيًا واحدًا، بل يقضي عامين تحت ضغط متواصل، يخشى كل امتحان وكل علامة، وكأن مستقبله يتحدد عبر سلسلة من الاختبارات التي لا تترك له مساحة كافية للتوازن النفسي أو لممارسة حياته بصورة طبيعية. ومع مرور الوقت، يتحول القلق إلى رفيق دائم، وتصبح الضغوط جزءًا من يوميات الأسرة بأكملها.
ولم تعد المدرسة، للأسف، المصدر الرئيس للتعليم بالنسبة لشريحة واسعة من الطلبة. فالاكتظاظ، وتفاوت الإمكانات، والنقص في بعض الكوادر، عوامل دفعت الطلبة إلى البحث عن بدائل خارج أسوار المدرسة، الأمر الذي عزز الاعتماد على الدروس الخصوصية والمنصات التعليمية.
وهنا برزت ظاهرة تستحق التوقف عندها؛ إذ تحولت بعض المنصات التعليمية إلى مشاريع تجارية تستثمر في قلق الطلبة وأولياء الأمور، وتفرض اشتراكات مرتفعة تثقل كاهل الأسر، حتى أصبح الحصول على تعليم جيد، في نظر كثيرين، مرتبطًا بالقدرة المادية أكثر من ارتباطه بحق الطالب في التعليم.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، تجد آلاف الأسر نفسها مضطرة إلى الاقتراض أو تقليص نفقاتها الأساسية لتأمين تكاليف الدروس والمنصات، في مشهد يطرح سؤالًا جوهريًا: هل أصبح النجاح في التوجيهي يتطلب قدرة مالية، إلى جانب الاجتهاد؟
ومن زاوية أخرى، ما تزال مخرجات الثانوية العامة لا تنسجم بالشكل الكافي مع احتياجات سوق العمل. فما يزال التركيز ينصب على المعدل والتنافس على تخصصات جامعية تقليدية، بينما يزداد الطلب على المهارات التقنية والمهنية والرقمية التي يحتاجها الاقتصاد الوطني. والنتيجة هي تخريج أعداد كبيرة في تخصصات مشبعة، مقابل نقص في مجالات إنتاجية واعدة.
إن إصلاح الثانوية العامة لا يكون بكثرة تغيير الأنظمة، ولا بالانتقال من نموذج إلى آخر كل بضع سنوات، وإنما ببناء نظام تعليمي مستقر وواضح، يخضع للتقييم العلمي، ويمنح الطالب والمعلم والأسرة الثقة بأن قواعد اللعبة لن تتغير باستمرار.
وقد يرى كثيرون أن العودة إلى النظام السابق، أو الاستفادة من بعض عناصره، قد تكون خيارًا يستحق الدراسة إذا كان أكثر استقرارًا وعدالة. لكن الأهم من العودة أو البقاء هو الوصول إلى نظام يحقق تكافؤ الفرص، ويعيد الاعتبار للمدرسة، ويحد من الاعتماد على الدروس الخصوصية والمنصات التجارية، ويربط التعليم باحتياجات التنمية وسوق العمل.
التوجيهي ليس مجرد امتحان، بل هو بوابة عبور إلى المستقبل. ومن حق الطلبة أن تكون هذه البوابة عادلة، ومن حق الأسر ألا تتحول إلى رهينة للضغوط النفسية والاستنزاف المالي، ومن حق الوطن أن يمتلك منظومة تعليمية تخرّج شبابًا يمتلكون المعرفة والمهارة، لا مجرد معدلات مرتفعة.
لقد حان الوقت لفتح حوار وطني مسؤول حول مستقبل الثانوية العامة، تشارك فيه وزارة التربية والتعليم، والمعلمون، والجامعات، وأولياء الأمور، والطلبة أنفسهم، للوصول إلى نظام مستقر يوازن بين جودة التعليم، وعدالة التقييم، ومتطلبات سوق العمل، ويحفظ للطالب حقه في التعلم بعيدًا عن القلق