جفرا نيوز -
بقلم: المهندس خلدون عتمه
في البداية، لا بد من توجيه الشكر والتقدير لموقع جفرا نيوز الذي يواصل، بنهج وطني مسؤول، تبني المبادرات والأفكار التي تخدم المصلحة العامة، ويفتح مساحاته للحوار الموضوعي حول القضايا الوطنية، وفي مقدمتها قضايا الثقافة والتنمية. وفي هذا السياق، جاء نشر مقال الكاتب والإعلامي محمد أبوسماقة بعنوان "قطاع الثقافة... من إدارة النشاط إلى صناعة المستقبل" في توقيت يحتاج فيه المشهد الثقافي الأردني إلى وقفة مراجعة حقيقية، ليس بهدف تشخيص الواقع فحسب، وإنما للبحث عن رؤية عملية تقود القطاع نحو مرحلة جديدة أكثر قدرة على الإنتاج والتأثير.
ومن يقرأ المقال يدرك منذ السطور الأولى أنه لا يقدم رأيًا عابرًا، بل يعكس خبرة تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل في الإدارة الثقافية وصناعة السياسات والإعلام، الأمر الذي منح الطرح بعدًا مهنيًا وموضوعيًا، بعيدًا عن الانطباعات العامة أو النقد من أجل النقد.
لقد نجح محمد أبوسماقة في تقديم تشخيص دقيق لواقع القطاع الثقافي، محددًا أبرز التحديات التي تواجهه، وفي مقدمتها هيمنة مفهوم إدارة الأنشطة والفعاليات الموسمية على حساب بناء المشاريع الثقافية المستدامة، وضعف الاستثمار في الإنتاج الثقافي والإبداعي، وغياب التخطيط طويل المدى، وعدم قياس الأثر الحقيقي للبرامج والمبادرات الثقافية.
لكن أهمية المقال لا تكمن في تشخيص الواقع فقط، وإنما في أنه قدم، في الوقت ذاته، رؤية إصلاحية متكاملة تقوم على الانتقال من إدارة النشاط إلى صناعة المستقبل، ومن ثقافة الفعالية المؤقتة إلى ثقافة المشروع المستدام، بما يعيد للثقافة دورها بوصفها رافعة للتنمية، وشريكًا في الاقتصاد الإبداعي، وعنصرًا أساسيًا في بناء الهوية الوطنية وتعزيز القوة الناعمة للدولة.
ومن أبرز ما طرحه المقال إعادة الاعتبار للمشاريع الثقافية الكبرى، وتطوير دور المهرجانات لتصبح منصات للإنتاج والتسويق الثقافي، ودعم الإنتاج الفني والإبداعي، وتمكين المبدعين الأردنيين، وبناء السردية الوطنية من خلال الدراما والسينما والمسرح والأدب، وهي أفكار تستحق أن تكون محورًا لحوار رسمي ومجتمعي، وأن تشكل أساسًا لتطوير السياسات الثقافية خلال المرحلة المقبلة.
لقد قدم محمد أبوسماقة رؤية تتجاوز حدود الوزارة أو المؤسسة، لتضع الثقافة في مكانها الطبيعي باعتبارها مشروعًا وطنيًا متكاملًا يرتبط بالتنمية والتعليم والإعلام والسياحة والاقتصاد، وهو ما يجعل الاستثمار في الثقافة استثمارًا في الإنسان وفي مستقبل الدولة.
إن القيمة الحقيقية لهذا الطرح أنه لم يكتفِ بعرض المشكلات، بل قدم حلولًا عملية قابلة للنقاش والتطوير والبناء عليها، وهو ما يجعل هذه الرؤية تستحق أن تحظى باهتمام الحكومة والمؤسسات الثقافية والهيئات الإبداعية، وأن تكون منطلقًا لحوار وطني تشارك فيه مختلف الجهات المعنية، وصولًا إلى مشروع ثقافي وطني واضح المعالم.
ومن هنا، فإن ما طرحه محمد أبوسماقة يمثل رؤية إصلاحية متقدمة تستحق الاهتمام، لأنها تستند إلى خبرة عملية ومعرفة عميقة بواقع القطاع الثقافي، وتقدم حلولًا قابلة للتطبيق، بعيدًا عن الشعارات أو الطروحات النظرية.
إن المرحلة المقبلة تتطلب مشروعًا ثقافيًا يقوم على التخطيط طويل المدى، وقياس الأثر، والاستثمار في الطاقات الإبداعية الأردنية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حتى تتحول الثقافة إلى قطاع منتج قادر على صناعة الأثر، وتقديم صورة الأردن الحضارية، وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال القادمة.
وأعتقد أن ما قدمه محمد أبوسماقة في هذا المقال يستحق أن يكون نقطة انطلاق لحوار وطني جاد حول مستقبل الثقافة في الأردن، وأن يُقرأ باعتباره رؤية إصلاحية تضع اليد على التحديات، وتقترح حلولًا عملية، وتؤكد أن الثقافة ليست ترفًا أو نشاطًا موسميًا، بل ركيزة من ركائز التنمية، واستثمارًا في الإنسان، ومسارًا لبناء المستقبل.