لم تعد المشكلة في الدراما العربية أنها تُنتج بكثرة، بل في أن كثيراً منها يُنسى بسرعة.
فبعد انتهاء موسم العرض، تختفي أسماء أعمال عديدة من ذاكرة الجمهور، وكأنها لم تكن.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا أصبحنا نشاهد عشرات المسلسلات كل عام، لكننا لا نجد بينها إلا القليل الذي يستحق أن يُعاد بعد سنوات؟.
في الماضي، لم تكن الإمكانيات التقنية كما هي اليوم، ولم تكن الميزانيات بالملايين، ولم تكن منصات البث تتنافس على جذب المشاهد. ومع ذلك، خرجت أعمال لا تزال تُشاهد حتى اليوم، ويُردد الناس حواراتها ويحفظون أسماء شخصياتها.
لم يكن سر نجاحها في المؤثرات البصرية أو الحملات الدعائية، بل في شيء يبدو أن بعض المنتجين نسوه: الحكاية.
اليوم، أصبح "الترند” هدفاً بحد ذاته. يكفي أن يثير مشهد واحد ضجة على مواقع التواصل حتى يُعتبر العمل ناجحًا، حتى لو كان النص ضعيفًا، أو الشخصيات سطحية، أو النهاية مخيبة للآمال.
وكأن معيار النجاح لم يعد ما يبقى في ذاكرة المشاهد، بل ما يحقق أكبر عدد من المقاطع المتداولة خلال أيام العرض.
هذا التحول أثّر أيضاً على طريقة كتابة الشخصيات.
في كثير من الأعمال، أصبحت الشخصيات تُبنى لتكون مادة للنقاش على الإنترنت، لا لتكون شخصيات حقيقية لها دوافع وتطور منطقي.
وأصبح الحوار في بعض الأحيان أقرب إلى الجمل المصممة لتتحول إلى اقتباسات ومنشورات، بدلًا من أن يخدم القصة نفسها.
ولا تقع المسؤولية على صناع الدراما وحدهم، فالجمهور أيضاً تغيّر.
كثيرون لم يعودوا يمنحون العمل فرصة ليتطور، بل يحكمون عليه من الحلقة الأولى، وأحياناً من إعلان ترويجي لا يتجاوز دقيقة واحدة.
ومع هيمنة المنصات الرقمية، أصبح المشاهد معتاداً على الإيقاع السريع، حتى باتت المشاهد الهادئة أو الحوارات العميقة تُوصف بأنها "مملة”، رغم أنها كانت يوماً ما من أبرز عناصر نجاح الدراما.
من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن الدراما العربية حققت قفزات مهمة في السنوات الأخيرة.
فهناك أعمال أثبتت أن الجودة لا تزال ممكنة، وأن الجمهور يقدّر النص الجيد عندما يجده.
وهذا يعني أن المشكلة ليست في نقص المواهب، بل في طبيعة السوق التي تدفع أحياناً نحو الإنتاج السريع، والمنافسة على نسب المشاهدة، بدلًا من الاستثمار في نصوص تعيش طويلًا.
ويبقى سؤال آخر أكثر جرأة: هل أصبح الممثل هو نجم العمل أكثر من القصة نفسها؟
في أحيان كثيرة، يبدأ الترويج للمسلسل بأسماء أبطاله، بينما لا يعرف الجمهور شيئاً عن الكاتب أو الفكرة.
وكأن النجاح أصبح مرتبطاً بالشهرة أكثر من جودة النص، مع أن التاريخ أثبت أن أعظم الأعمال هي تلك التي انتصر فيها السيناريو على كل شيء.
كما أن تكرار القصص أصبح ظاهرة يصعب تجاهلها.
صراعات متشابهة، نهايات متوقعة، وشخصيات تبدو وكأنها نُقلت من مسلسل إلى آخر مع تغيير الأسماء فقط.
وهذا ما يدفع المشاهد إلى الشعور بأن كثيراً من الأعمال تُشبه بعضها، فتفقد قدرتها على المفاجأة والتأثير.
ومع ذلك، فإن الحديث عن "انحدار الدراما العربية” بشكل مطلق ليس دقيقاً.
فما زالت هناك أعمال متميزة تثبت أن الإبداع حاضر، لكنها غالباً تحتاج إلى مساحة أكبر من الدعم، وإلى جرأة في تقديم أفكار مختلفة بعيدًا عن الوصفات الجاهزة.
ربما آن الأوان لأن تعيد صناعة الدراما ترتيب أولوياتها.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الوسوم الرائجة، ولا بعدد المشاهدات في الأسبوع الأول، بل بقدرة العمل على أن يبقى حياً في ذاكرة الناس بعد سنوات. فالمسلسل الذي يُنسى بمجرد انتهاء عرضه قد يحقق أرقاماً كبيرة، لكنه لا يصنع تاريخاً.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام أزمة في الدراما العربية فعلاً، أم أننا أصبحنا جمهوراً يصعب إرضاؤه؟ ربما تكمن الحقيقة في منتصف الطريق، لكن المؤكد أن الفن الذي يراهن على "الترند” وحده، قد يكسب لحظة، ويخسر الزمن.