جفرا نيوز -
البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
منذ أن تبادلت الممالك القديمة الرسل بدل السيوف، كانت الدبلوماسية رهاناً على الزمن لا انتصاراً عليه. فمعاهدة قادش، اقدم معاهدة سلام مكتوبة في التاريخ، التي وقعت بين رمسيس الثاني ملك مصري وحاتوشيلي الثالث ملك الحثيين، قبل نحو ثلاثة آلاف عام أرست فكرة أن التسوية المكتوبة أدوم من ميدان المعركة. وفي أثينا وروما القديمتين، تطور تبادل المبعوثين إلى عرف راسخ يحفظ للمهزوم كرامته وللمنتصر مكاسبه دون إذلال يستدعي ثأراً لاحقاً. ومع صعود الدولة القومية الأوروبية، جاءت معاهدة وستفاليا Westphalia، عام 1648، لتنهي حرب استمرت ثلاثين سنه، ولتضع حجر الأساس لمفهوم السيادة والتفاوض متعدد الأطراف كإطار لإنهاء الحروب الطويلة، قبل أن يبلغ هذا التقليد ذروته الكلاسيكية في مؤتمر فيينا عام 1815.
ففي لمؤتمر فيينا، جلس مندوبو القوى الكبرى حول طاولة واحدة لأشهر متصلة، يعيدون رسم خريطة أوروبا بعد حروب نابليون، دون أن يملي طرف واحد شروطه على البقية بمهلة محددة أو إنذار نهائي. كان الوقت، آنذاك، عملة الدبلوماسية الأثمن: كلما طال التفاوض، ازدادت متانة التسوية. بعد قرنين تقريباً، انقلب المشهد تماماً: تحالف اقتصادي بأكمله يُمنح أسابيع للانصياع لشروط تجارية وإلا واجه رسوماً جمركية "أعلى بكثير"؛ ودولة تُمنح أياماً معدودة بشأن ملف استراتيجي حساس، وتهديد بضم أرض ذات سيادة أو فتح ممر مائي، لا عبر مذكرة دبلوماسية، بل عبر منشور مقتضب من بضعة أسطر على منصة إكس (تويتر سابقاً). والعقد الأخير وحده يزخر بعشرات النماذج المشابهة: حصار دبلوماسي واقتصادي مفاجئ ضد احدى الدول، وقائمة مطالب بمهلة عشرة أيام لتنفيذها كاملة؛ أزمة حدودية استُخدم فيها تدفق طالبي اللجوء نفسه كورقة ضغط تفاوضية على حدود أوروبية؛ حرب تجارية بين أكبر اقتصادين في العالم أُديرت عبر جولات متعاقبة من التعريفات والتهديد بمضاعفتها خلال أيام؛ أزمة نووية أُديرت في ذروتها بلغة "نار وغضب" علنية؛ عقوبات اقتصادية لحظية، قطعت وصول دول بأكملها لأنظمة الدفع العالمية خلال ساعات لا أشهر؛ وتهديدات تجارية غير معلنة استُخدمت لمعاقبة دول على مواقف سياسية سيادية، تهديدات من دولة اقليمية بتدمير البنى التحتية لدول الخليج دون اي مبرر. هذا التراكم يكشف أن ما نناقشه اصبح نمط عالمي متجذر تتقاسم بصمته قوى متعددة، لا طرف بعينه. وهذا هو جوهر السؤال: هل نشهد تكتيكاً عابراً لحقبة سياسية، أم إعادة تعريف جوهري لمعنى الدبلوماسية، من فن إدارة الزمن إلى فن إلغائه؟
للإجابة، لا بد من العودة إلى جوهر الدبلوماسية الكلاسيكية التي نظّر لها كيسنجر و مورغنثاو (مؤسس المدرسة الواقعية السياسية)، وقبلهما مترنيخ في فيينا نفسها، والتي لم تكن يوماً فن مجاملة، بل هندسة دقيقة لتوازن القوى عبر التفاوض السري المطوّل، والتنازلات المتدرجة المتبادلة، والقنوات الخلفية غير المعلنة، والغموض البنّاء الذي يمنح كل طرف مخرجاً يحفظ به ماء وجهه. فأزمة الصواريخ في الكاريبي عام 1962 تظل النموذج المدرسي الأكمل: فرغم وصول المواجهة إلى حافة حرب نووية شاملة، حُلّت عبر قناة سرية معزولة عن الأضواء أفضت إلى صفقة لم تُكشف تفاصيلها إلا بعد سنوات. وبالمثل استغرقت مفاوضات كامب ديفيد عام 1978 ثلاثة عشر يوماً من العزلة عن الإعلام، بصبر تفاوضي أتاح لكل طرف التنازل دون أن يبدو محرجاً أمام شعبه. استند هذا المنطق إلى ما أسماه المنظّر توماس شيلينغ "الردع"، بإقناع الخصم بالامتناع عن فعل ما عبر التلويح بعواقبه، وهو أسلوب سلبي بطبيعته يفترض صبراً استراتيجياً يُقاس احياناً بالسنوات.
غير أن ما يشهده العالم اليوم انتقال حاسم من "الردع" إلى ما يسميه شيلينغ نفسه "الإكراه"، والفارق الدقيق بين قول "لا تفعل" وقول "افعل الآن، وإلا". فالردع سلبي يمنع فعلاً مستقبلياً، أما الإكراه ففعل إيجابي يفرض تغييراً فورياً ضمن سقف زمني قصير عمداً، ولا يترك مجالاً للتفكير أو المشاورة أو حتى التحقق من صحة المعطيات. وما يجمع الأمثلة المتراكمة، من الخليج إلى الحرب التجارية، ومن التهديدات النووية إلى العقوبات الفورية، ليس فقط لغة الإنذار، بل بنية موحدة: مهلة قصيرة معلنة، ومصحوبة بعرض قوة مرئي، وغياب شبه كامل للقناة السرية التي كانت تمنح الطرف المستهدف مخرجاً كريماً. ولم يعد "عنصر المفاجأة" استثناءً، بل عقيدة تفاوضية متعمدة تُبقي الخيارات مفتوحة لتعظيم الضغط النفسي.
وثمة بُعد أعمق من الحسابات الاستراتيجية يفسّر جاذبية دبلوماسية الإنذار: تحوّلها إلى عرض جماهيري يستهلكه الرأي العام الداخلي كدليل على "الحزم"، بغض النظر عن جدواه الفعلية. فالدبلوماسية الكلاسيكية كانت نشاطاً نخبوياً صامتاً لا يرى الجمهور منه إلا نتيجته النهائية، أما دبلوماسية الإنذار فأداء علني يبدأ أمام الكاميرات ولا ينتهي. وحين تصبح الشعبية الداخلية مرتبطة بحدّة اللهجة، يتحول التصعيد اللفظي من وسيلة إلى غاية، ويصبح التراجع، حتى لو كان الخيار الأعقل، مكلفاً سياسياً. وهنا مفارقة خطيرة: الإنذار الذي يُصاغ لإخضاع الخصم قد ينتهي بتقييد صاحبه، حين يجد نفسه أسير لهجته أمام جمهوره أكثر مما هو محاصر بموقف خصمه. ويعزز هذا الاتجاه أن خوارزميات منصات مثل إكس او غيرها، تكافئ اللهجة الحادة بانتشار أوسع من التصريح الدبلوماسي المتحفظ، ما يرجّح كفة الإنذار على المذكرة الهادئة بمعزل عن إرادة أي طرف بعينه.
هذا التحول ليس سلوكاً عابراً لطرف بعينه، بل نتاج تقاطع تحولات بنيوية في النظام الدولي. أولها تفكك المنظومة متعددة الأطراف: فمؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية كالأمم المتحدة، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد، صُممت لتُبطئ القرارات الأحادية، لكن ضعف آليات الإلزام فيها وتعطل مجلس الأمن بحق النقض ادى الى فتح الباب أمام أدوات أحادية "خارج النظام". ويقترن بهذا تسليح الاقتصاد بالكامل: فالرسوم والعقوبات وتجميد الأصول وقطع الوصول لأنظمة الدفع وتقييد صادرات التقنيات الحساسة لم تعد أدوات مكمّلة للقوة العسكرية، بل بديلاً سريعاً وأقل كلفة سياسية عنها. ويقف إلى جانبهما الإعلام الفوري. ففي عصر النشر الفوري تصبح كل جملة إنذاراً علنياً يصل لجمهور عالمي في ثوانٍ، ما يُلغي مساحة "التراجع الهادئ" التي احتاجتها الدبلوماسية التقليدية. ويضاف عامل رابع أكثر خفاءً هو تراجع كلفة السمعة في نظام متعدد الاستقطاب غير المتوازن، فحين يشعر طرف بتفوق واضح ولو مؤقتاً، يقل حافزه لدفع كلفة الصبر، لأنه يراهن على أن فرض الأمر الواقع أكثر ربحية من أي تراجع لاحق في مصداقيته. وأخيراً، تفتت مفهوم "الخصم الثابت"، فالحرب الباردة أنتجت خصومة مستقرة أتاحت تراكم خبرة تفاوضية طويلة الأمد، أما في عالم اليوم متعدد الجبهات، حيث يمكن لدولة أن تكون شريكاً تجارياً وخصماً أمنياً في آن واحد، فكل ملف يُدار بمنطقه المنفصل، ما يُضعف تراكم الثقة ويجعل لغة الإنذار أسهل استخداماً.
ورغم أن هذا النمط يحقق مكاسب سريعة، فإنه يحمل كلفاً استراتيجية عميقة تتراكم بصمت قبل أن تنفجر دفعة واحدة. أولاها تآكل الثقة كأصل استراتيجي نادر، حين يُدرك الجميع أن المهل قابلة للتمديد أو التراجع، يفقد الإنذار مصداقيته، مما يودي الى تصعيد اللهجه أكثر في كل مرة، في حلقة يصعب ضبطها. وتترافق معها كلفة ثانية أخطر، وهو تقليص هامش الخطأ، إذ يتضاءل الوقت المتاح للتحقق من المعلومات وتصحيح سوء الفهم، فيرتفع احتمال حوادث تصعيدية غير مقصودة يصعب احتواؤها بالسرعة نفسها التي أُشعلت بها. وتولّد هذه الكلفة كلفة ثالثة، دفع الأطراف الأضعف نحو تأمين استراتيجي مستقل، إذ تبدأ الدول التي يتكرر تعرّضها للإكراه بتنويع شركائها وتسريع برامجها الدفاعية الذاتية أو التقارب مع أقطاب منافسة، فينتج في مفارقة لافتة، عالم أقل قابلية للسيطرة من الذي قصده اصحاب سياسة الإكراه أصلاً. وتكتمل السلسلة بكلفة رابعة تطال الجميع، تحويل الاقتصاد العالمي إلى ساحة قلق دائم، إذ يصعب التخطيط الاستثماري حين تتبدل قواعد التجارة بمهل أسابيع، وترتفع أقساط التأمين ضد المخاطر السياسية، وينتقل العبء إلى المستهلك عبر تضخم أعلى وفرص عمل أقل استقراراً.
هذا التوزيع غير المتكافئ للمكاسب والكلف يقودنا إلى السؤال الأهم: من يربح فعلاً، ومن يخسر بصمت؟ القوى الكبرى تربح، ظاهرياً وعلى المدى القصير، سرعة انتزاع مكاسب كانت لتستغرق سنوات من التفاوض. لكن الخاسر بعيد المدى هو النظام الدولي والذي ترسخ منذ معاهدة ويستفاليا، والقائم على القواعد، مما يفقده قدرته على توفير إطار يمكن التنبؤ به، وهو الملاذ الذي اعتمدت عليه الدول المتوسطة والصغرى، والغالبية العددية الساحقة، لتعويض ضعف قوتها الذاتية بقوة القانون الجماعي. ومن هنا تجد هذه الدول، ومنها دول الجوار الإقليمي، نفسها في موقع دفاعي مزدوج، عليها إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى وفق منطق الإكراه الجديد، بينما تصون مساحة مناورتها عبر تنويع تحالفاتها، بدل الاعتماد الحصري على طرف واحد قد يتحول من شريك استراتيجي إلى مصدر ضغط.
ومع ذلك، فإن التاريخ الدبلوماسي ليس خطاً مستقيماً نحو مزيد من التهديد الدائم. فقد شهد العالم موجات مشابهة من "الدبلوماسية الخشنة"، قبيل الحرب العالمية الأولى، وفي ذروة التوتر إبان الحرب الباردة، قبل أن يعود، في كل مرة، إلى أطر أكثر صبراً، وغالباً بعد أزمة كبرى تُذكّر الجميع بثمن المجازفة حين يُفرط فيها. فالإنذار، مهما بلغت حدّته، لا يبني علاقة بل يُخضع طرفاً لحظياً؛ والفارق بين "الإخضاع" و"التسوية" هو بالضبط الفارق بين سلام هش قابل للانفجار في أي لحظة، وسلام متجذر يصعب زعزعته. لذا فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الدبلوماسية الهادئة قد انطفأت فعلاً، فالتاريخ يعلّمنا أنها لم تنطفئ، بل تنتظر فقط الأزمة الكبرى التي تُعيد تذكير الجميع بثمن التسرع. والسؤال هنا كم أزمة كبرى؟، وكم من الثقة المتآكلة؟، وكم من الحلفاء الذين تحولوا بصمت إلى باحثين عن بدائل؟، وكم سيتطلب الأمر قبل أن يعيد النظام الدولي اكتشاف حقيقة قديمة قدم الدبلوماسية نفسها، أن المهلة القصيرة قد تفوز بجولة واحدة، لكن الدبلوماسية الاستراتيجية وحدها تكسب السلام الطويل؟. فالدبلوماسية لم تُخترع لأنها الطريق الأسهل، بل لأنها الطريق الوحيد الذي يتيح لخصمين أن يصبحا يوماً ما شريكين، وهذا التحول لا تصنعه الإنذارات مهما اشتدت لهجتها، بل تصنعه وحدها طاولة مفاوضات ما تزال قادرة على احتمال ثقل الوقت.