جفرا نيوز -
صلاح أبو زيد صانع النخبة الإذاعية والسردية الوطنية.. من "ثلاثية التأسيس" إلى "اول وزير إعلام"،،،
بقلم د. احمد زياد ابو غنيمة
****
مقدمة:
استكمالاً لحديثنا الممتد عبر هذه السلسلة عن مسيرة صناعة النخبة الفكرية والإعلامية والسياسية في عهد جلالة الملك الحسين بن طلال -طيب الله ثراه-، والجهود الرسمية والأهلية لتجذير الوعي بالهوية الوطنية؛ نتوقف في هذه الحلقة عند الدور الريادي لقامة استثنائية أردنية، وأول وزير إعلام في تاريخ الدولة الأردنية، معالي صلاح أبو زيد، الذي أسهم بقوة في صياغة وجدان المملكة وصوتها، وغدا رائداً في هندسة السردية وبناء الرعيل الإذاعي الأول.
****
"ريّح الحسين" وكاتب خطاباته الخفي؛ علاقة استثنائية مع العرش الهاشمي:
احتل صلاح أبو زيد مكانةً رفيعة وحظوة نادرة لدى الملك الحسين بن طلال؛ إذ كان يوصف في أروقة الحكم بأنه "واحد من ريح الحسين".
بدأت هذه العلاقة في أواخر الخمسينيات حين استمع الملك الشاب لإيجاز متميز قدّمه أبو زيد في دار الرئاسة إبان حكومة سليمان النابلسي، فأُعجب بنباهته لدرجة أنه قال له: "أحب أشوفك عندنا".
تلاقت الرؤى سريعاً، وأصبح أبو زيد من أقرب الشخصيات إلى قلبه؛ إذ كان الملك مغرماً بالإعلام والاتصال ووجد في "أبي عماد" المترجم الحقيقي لأفكاره وتطلعاته.
غدا صلاح أبو زيد بمثابة "الكاتب الخفي لخطابات الملك"؛ حيث تميز بقدرة عجيبة على قراءة فكر الحسين من الداخل، وكان الملك يكلفه بصياغة الخطابات المصيرية بمجرد إشارة بسيطة دون إعطائه تعليمات مطولة، مجسداً مقولة "أرسل حكيماً ولا توصه". وكانت لقاءاتهما مسائية وشبه يومية تنتهي بعشاء بسيط.
ورغم الدسائس السياسية التي أبعدته لفترة وجيزة عام 1976، إلا أن الحسين ما لبث أن استدعاه برسالة طويلة تفيض بالود والثناء على سجاياه ليعود إلى معيته معززاً مكرماً، وكان الحسين يفتقده دائماً، حتى إن أبو زيد في إحدى المرات غاب عن حفل تأسيس التلفزيون فلاحظ الملك غيابه وسأله، فأجابه بعبارته البليغة الشهيرة: "شاهدتم غيابي.. ولم تشاهدوا حضورهم" .
****
المرحلة الأولى: "ثلاثية المواجهة والتأسيس" (برفقة هزاع المجالي ووصفي التل):
شهدت نهاية الخمسينيات من القرن الماضي أعنف الحملات الإعلامية الإقليمية الموجهة ضد الأردن، وفي تلك اللحظة الحرجة تشكّل "مثلث الردع الوطني" الذي قاده سياسياً وإعلامياً: هزاع المجالي (رئيساً للوزراء)، ووصفي التل، وصلاح أبو زيد (الدينامو التنفيذي والصوت الإذاعي الأبرز).
كانت هذه الفترة تتميز بـ:
• خندق المواجهة الأول: عمل الثلاثة بتناغم مطلق داخل أروقة الإذاعة الأردنية (التي انطلقت من جبل الحسين عام 1956). وفرّ غطاء هزاع المجالي السياسي الشجاع المساحة لوصفي وصلاح لصياغة خطاب تعبوي فوري وجريء يصد بالكلمة واللحن الحملات المصرية الناصرية.
• إطلاق الأغنية الوطنية السياسية: في هذه الفترة بالتحديد، وبتوجيه من هذا الثلاثي، وُظف الفلكلور كأداة سياسية لتعزيز الجبهة الداخلية؛ فجرى تبني الفنانة سميرة توفيق وإلزامها باللهجة البدوية الأردنية المتقنة، وولدت أهزوجة "ربع الكفاف الحمر" بصوت عبده موسى لتكون نشيداً معنوياً للجيش والشعب في مواجهة خطابات التخوين الخارجية.
• بناء النواة الإذاعية: ركّز أبو زيد في هذه المرحلة على الجانب الفني والمهني، فبدأ باستقطاب المواهب، وبناء جيل المذيعين الأوائل، وفرض "الخبر الأردني" كأولوية لربط المواطن بدولته.
****
المرحلة الثانية: "مرحلة المأسسة" والتعاون الثنائي الوثيق مع وصفي التل:
شكّل استشهاد رئيس الوزراء هزاع المجالي عام 1960 صدمة كبرى للدولة، لكن المسيرة الإعلامية والهوياتية لم تتوقف؛ بل انتقلت من مرحلة "المواجهة التعبوية" إلى مرحلة "المأسسة السيادية"، وهي الفترة التي شهدت أوج التعاون الثنائي واللصيق بين وصفي التل وصلاح أبو زيد.
تميزت هذه المرحلة بـ:
• صياغة الفكر السياسي للدولة: عندما تسلّم وصفي التل رئاسة الحكومة، وجد في صلاح أبو زيد شريكاً فكرياً وإعلامياً فوق العادة. تحوّل أبو زيد من "مدير للإذاعة" إلى "مهندس ومكتشف للنخبة"، فكان يترجم رؤية وصفي التل القائمة على تعزيز الهوية الريفية والبدوية الأردنية، وإبراز العمق العروبي للأردن.
• صناعة النخبة الإعلامية الشاملة: بمباركة وتوجيه من وصفي التل، أطلق أبو زيد يده في مأسسة الإعلام؛ فاستقطب وصنع قامات أردنية كبرى، ورسخ مدرسة إذاعية متكاملة ضمت (طارق مصاروة، جورج حداد، محمود الشاهد، عائشة التيجاني، ونهى بطشون)، ليتحول الإعلام في عهدهما من مجرد "أداة نقل أخبار" إلى "مطبخ لصناعة النخبة والرأي العام" والدفاع عن كينونة الدولة.
****
محطة التحول التاريخي: صلاح أبو زيد أول وزير إعلام في الدولة الأردنية (1964):
تتويجاً لهذا النجاح الإستراتيجي في إدارة ملف الوعي والتوجيه الوطني، ولحاجة الدولة إلى مأسسة خطابها الرسمي بشكل دستوري وقانوني، أُنشئت وزارة الإعلام الأردنية لأول مرة في تاريخ المملكة عام 1964، واُختير صلاح أبو زيد ليكون "أول وزير إعلام" في تاريخ الأردن.
هذه الخطوة لم تكن مجرد منصب سياسي، بل كانت نقلة نوعية أحدثت الآتي:
1. توحيد الخطاب الرسمي: دمج صلاح أبو زيد تحت مظلة الوزارة الناشئة كلاً من (الإذاعة، دائرة المطبوعات والنشر، والتوجيه الوطني)، ليصبح للأردن جهاز إعلامي مركزي يقاد بنخبة فكرية تمتلك القدرة على المبادرة السياسية لا مجرد رد الفعل.
2. شرعنة السردية الوطنية: تحولت أفكار وصفي التل وصلاح أبو زيد حول "الأردن الهوية والرسالة" من اجتهادات إذاعية إلى سياسة دولة رسمية تتبناها الحكومات ويجري تدريسها وتعميمها عبر وسائل الاتصال الجماهيري.
3. التمهيد للتلفزيون والأجهزة الحديثة: وضع أبو زيد خلال حقيبته الوزارية الأولى اللبنات الأساسية لتوسيع الإرسال الأردني، والتحضير لإطلاق التلفزيون الأردني لاحقاً، ليكون الإعلام الأردني واحداً من أقوى المنابر العربية في الستينيات والسبعينيات.
****
الخاتمة:
لقد بدأ صلاح أبو زيد مقاتلاً بالكلمة والنغم وصانعاً لنخبة قادت خندق هزاع ووصفي، وانتهى وزيراً ومؤسساً رسمياً لإعلام الدولة برفقة وصفي؛ ليثبت التاريخ أن السردية الأردنية لم تُكتب بالحبر فقط، بل كُتبت بجهد ممتد انتقل من غرف الإذاعة المتواضعة إلى طاولة مجلس الوزراء وسُدّة القصر الملكي الهاشمي.