جفرا نيوز -
رائد العورتاني
لم يعد السؤال اليوم هل انتهت الحرب، بل أصبح السؤال الأخطر، من يرسم الشرق الأوسط الجديد؟
المنطقة لم تعد تعيش أزمة عسكرية عابرة وإنما تدخل مرحلة إعادة تشكيل سياسي وأمني قد تستمر لسنوات، حيث لم تعد الصواريخ وحدها هي من تحدد ملامح المستقبل بل خرائط النفوذ والممرات البحرية والتحالفات الدولية والحروب الاقتصادية والصراعات الاستخباراتية التي تدور في الظل أكثر مما تدور في العلن.
لقد أثبتت المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران أن ميزان القوى في الشرق الأوسط دخل مرحلة مختلفة، القضية لم تعد مرتبطة بضربة عسكرية هنا أو رد هناك بل بصراع مفتوح على من يمتلك القرار السياسي في المنطقة ومن يفرض قواعد الاشتباك ومن يتحكم بشرايين الاقتصاد العالمي.
لم يكن عبثاً أن تتحول الأنظار إلى مضيق هرمز وباب المندب، فهاتان البوابتان ليستا مجرد ممرين بحريين بل هما مفتاح الاقتصاد العالمي، أي اضطراب فيهما يعني اهتزاز أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط وتعطل التجارة الدولية وامتداد الأزمة إلى كل بيت في العالم من واشنطن إلى بكين ومن لندن إلى طوكيو.
في خضم هذه التطورات برزت المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، رغم ما تعرضت له من تهديدات مباشرة ومحاولات لجرها إلى ساحات مواجهة أوسع، لقد أثبتت هذه الدول أن الحكمة السياسية وضبط النفس لا يعنيان الضعف بل يعكسان إدراكاً عميقاً بأن أي حرب شاملة لن يكون فيها رابح، وأن الحفاظ على استقرار المنطقة مسؤولية تتجاوز الحسابات الآنية.
كما أن الاعتداءات التي استهدفت الأجواء الأردنية إلى جانب الاعتداءات التي طالت عدداً من دول الخليج الشقيقة تمثل انتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول ورسالة بالغة الخطورة مفادها أن حدود الدول وأجواءها قد تتحول إلى أدوات في صراع لا علاقة لها به، إن استباحة سيادة الدول لن تقود إلا إلى توسيع رقعة التوتر وفتح أبواب يصعب إغلاقها لاحقاً، لكن الخطر الحقيقي قد لا يكون فيما شهدناه من مواجهات عسكرية بل فيما قد يأتي بعدها.
التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى كثيراً ما تنتهي عسكرياً لكنها تبدأ سياسياً وأمنياً بأشكال أكثر تعقيداً. ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل العواصم العربية، هل دخلنا مرحلة صناعة الفوضى الداخلية بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، هناك تحليلات سياسية تتحدث عن احتمال انتقال الصراع إلى ساحات أكثر هشاشة عبر خلق انقسامات مذهبية وعرقية في أجزاء من سوريا ولبنان وربما مناطق أخرى تعاني أصلاً من هشاشة سياسية وأمنية، ولا يمكن الجزم بأن هذا السيناريو سيتحقق، لكنه يبقى احتمالاً يستحق المتابعة لأن التجارب السابقة أثبتت أن تفكيك المجتمعات أقل كلفة على القوى المتصارعة وأكثر تدميراً للشعوب والدول.
الحرب الطائفية، إن اشتعلت لا تترك خلفها مدناً مدمرة فقط بل تترك أجيالاً تحمل الكراهية واقتصادات منهارة ودولاً تفقد هويتها الوطنية، إنها أخطر من الصواريخ لأنها تستهدف الإنسان قبل الحجر وتمزق النسيج الاجتماعي الذي تحتاج الدول سنوات طويلة لإعادة ترميمه.
في خضم هذه التحولات تبقى القضية الفلسطينية القضية المركزية للأمة العربية، غير أن المشهد الإقليمي أصبح أكثر تعقيداً وتشابكاً، فلم تعد الأزمات منفصلة بل بات الأمن والسياسة والاقتصاد والطاقة والممرات البحرية ملفات مترابطة، بحيث إن أي شرارة في نقطة من الشرق الأوسط قد تتحول إلى أزمة تمتد آثارها إلى العالم بأسره.
أما الأردن فقد قدم نموذج الدولة التي تدير الأزمات بعقلانية وثبات، حافظ على سيادته ورفض أن يكون طرفاً في أي محور أو ساحة تصفية حسابات، وتمسك بموقفه الداعي إلى احترام سيادة الدول، وتغليب الحوار على لغة السلاح، وهذا النهج لم يكن موقفاً آنياً بل امتداداً لسياسة أردنية راسخة ترى أن أمن الوطن فوق كل اعتبار، وأن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا عبر الحلول السياسية.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق حقيقي، فإما أن تنتصر لغة الدولة على منطق الميليشيات، ولغة الحوار على أصوات المدافع، ومشروع التنمية على مشاريع الفوضى، وإما أن تدخل المنطقة زمناً جديداً من الصراعات المفتوحة، حيث لن يكون هناك منتصر مهما اختلفت الرايات.
ويبقى الرهان الأكبر على وعي الشعوب، وحكمة القيادات، وقدرة الدول العربية على توحيد مواقفها، لأن أمن الأردن وأمن المملكة العربية السعودية، وأمن دول الخليج العربي، هو جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن العربي، وأي عبث بهذه المنظومة لن يهدد دولة بعينها، بل سيهدد مستقبل المنطقة بأكملها.
الشرق الأوسط لا يقف اليوم أمام نهاية حرب بل أمام بداية مرحلة جديدة مرحلة ستحدد شكل المنطقة لعقود قادمة، وسيكتب التاريخ أسماء الذين صنعوا الاستقرار، كما سيكتب أسماء الذين أشعلوا الحرائق وعاثوا في الأرض فسادًا، ونشروا الفوضى وأهدروا الحقوق، وظنوا أن وجودهم في المنطقة دائم، غير أن التاريخ يثبت أن الاحتلال مهما طال أمده فإن نهايته إلى زوال.