اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

الحلقة الثالثة عشرة من سلسلة استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني

الثلاثاء-2026-07-14 10:13 pm
جفرا نيوز -
قرار فك الارتباط (1988) وإعادة هندسة "النخبة الوطنية": جغرافية التمثيل والسيادة...
بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة

تأتي هذه الحلقة الثالثة عشرة ضمن سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني" كجهدٍ بحثي يهدف بالدرجة الأولى إلى إضاءة الزوايا المفصلية في تاريخ الأردن الحديث، واستحضار السياقات التي شكلت وجدان الدولة ومؤسساتها. إن الغاية الجوهرية من هذا الطرح هي "التوثيق التاريخي" القائم على التحليل والمراجعة، بعيداً عن إصدار الأحكام التقييمية أو إخضاع الوقائع السياسية لتجاذبات المصالح وضجيج السياسة الراهنة. نحن هنا نسعى لقراءة الحدث في سياقه الزمني، وفهم ديناميكية بناء الدولة في لحظات التحول الكبرى، ليبقى التاريخ مرجعاً وطنياً جامعاً يتجاوز التفسيرات الضيقة.
**
* أحد أهم التحولات الاستراتيجية (حيثيات القرار ودوافعه):
شهد عام 1988 أحد أهم التحولات الاستراتيجية في تاريخ الدولة الأردنية الحديثة، والذي ألقى بظلاله العميقة على بنية وتركيبة النخبة السياسية والتشريعية. ففي الحادي والثلاثين من تموز 1988، أعلن الملك الحسين قرار "فك الارتباط القانوني والإداري" مع الضفة الغربية.
ولفهم هذا الزلزال الجيوسياسي، تبرز المذكرات السياسية لتلك الحقبة (وفي مقدمتها مذكرات طاهر المصري "الحقيقة بيضاء") لتُضيء على الحيثيات العميقة التي دعت الأردن لاتخاذ هذا القرار.
فمع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987)، وتصاعد قرارات القمم العربية (وخاصة قمة الجزائر 1988) الداعمة لتمكين منظمة التحرير الفلسطينية، وجد صانع القرار الأردني نفسه أمام ضرورة حتمية لإنهاء حالة "الازدواجية".
لقد جاء القرار لقطع الطريق أمام المزايدات السياسية التي كانت تتهم الأردن بمحاولة سحب البساط من تحت المنظمة ومنافستها على تمثيل الفلسطينيين، فضلاً عن كونه ضربة استباقية حاسمة أردنية لإحباط المشروع الإسرائيلي اليميني الداعي لـ "الوطن البديل"؛ وذلك عبر تكريس الهوية الوطنية الأردنية بحدودها السيادية، وتثبيت الهوية الفلسطينية على ترابها الوطني.
**
ولم يكن هذا القرار مجرد استجابة لمتطلبات السياسة الخارجية، بل شكل في جوهره عملية "إعادة تعريف جغرافية وديموغرافية" قسرية لمفهوم "النخبة الوطنية الأردنية"، وأنهى حقبة طويلة من "ثنائية التمثيل" التي حكمت آليات صنع القرار منذ وحدة الضفتين عام 1950.
وقد تجلى هذا التحول البنيوي مبكراً في التخلي عن "خطة التنمية الأردنية للضفة الغربية" (التي أُطلقت عام 1986)، مما عكس إرادة سياسية بإنهاء الارتباط الاقتصادي والبيروقراطي العميق، كخطوة تمهيدية لفك الارتباط السياسي.
**
* إنهاء ثنائية التمثيل وتوطين النخبة:
من الناحية الدستورية والمؤسسية، أدى القرار فوراً إلى حل مجلس النواب الحادي عشر (الذي كان يضم نواباً من الضفتين)، وتم تقليص عدد أعضاء مجلس الأعيان، وإلغاء وزارة شؤون الأرض المحتلة. وفي خطوة ذات دلالة سوسيولوجية عميقة، تم الاستعاضة عن الوزارة بـ "دائرة الشؤون الفلسطينية" (التابعة لوزارة الخارجية)، مما حوّل الملف من شأن "سيادي داخلي" إلى شأن "خارجي/ رعوي"، ليقوم النظام السياسي بـ "حصر وتوطين" مسرح العمل السياسي والنخبوي داخل الجغرافيا الأردنية (الضفة الشرقية).
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تُرجم عملياً عبر هندسة "البطاقات الملونة" (الخضراء والصفراء) التي أصدرتها وزارة الداخلية لتصنيف المواطنة والإقامة، وهو ما أعاد هندسة النخبة والديموغرافيا على الأرض، وفرز النخبة الاقتصادية والتجارية العابرة للضفتين. وبذلك، انتهت مرحلة النخبة "الاندماجية" التي كانت تجمع قيادات الضفتين تحت قبة برلمان واحد وفي تشكيلات وزارية مناصفة، لتبدأ مرحلة جديدة تتطلب فرز نخبة سياسية تركز حصرياً على الأجندة الوطنية الأردنية الداخلية.
وكدليل تطبيقي على هذا الفرز النخبوي، برزت حالات انتقال لشخصيات وازنة من مظلة "الدولة" إلى مظلة "المنظمة"، كحالة الشيخ عبد الحميد السائح الذي غادر مقعده في مجلس الأعيان الأردني ليترأس المجلس الوطني الفلسطيني.
**
* نخبة الأزمات: "لجنة الصياغة" ومهندسو القرار السيادي:
لإدارة هذا التحول الجيوسياسي الحساس، الذي كان يهدد بحدوث شرخ مجتمعي وسياسي، لم يعتمد الملك الحسين على أدوات تقليدية. وتُشير كواليس تلك المرحلة إلى أن الملك بادر إلى تشكيل "لجنة سياسية مصغرة" (مطبخ أزمات علوي) أُحيطت بالسرية التامة، وضمت أقطاب النخبة السياسية والدبلوماسية لدراسة قرار فك الارتباط من كافة جوانبه ووضع هندسته القانونية والسياسية.
وجاء في مذكرات الرئيس طاهر المصري ( الحقيقة بيضاء ) عن تلك اللجنة " ألف الملك لجنة (ولم تكن بمعنى اللجنة الرسمية) ضمت كلاً من رئيس الوزراء زيد الرفاعي، والقائد العام زيد بن شاكر، ورئيس الديوان مروان القاسم، ووزير البلاط عدنان أبو عودة، ومدير المخابرات العامة طارق علاء الدين، وكانوا يجتمعون أحياناً في منزل مروان القاسم في جبل عمان، ويعملون على دراسة الخطوة التالية باتجاه فك الارتباط، ودراسة تداعياته المتوقعة والخطوات التي يجب أن تتبع القرار".
وقد ضمّت هذه اللجنة ثلاثة محاور أساسية، مثّلت الأذرع التي استند إليها النظام لامتصاص الصدمة وتمرير القرار داخلياً وخارجياً:
* الذراع البيروقراطي والتنفيذي (زيد الرفاعي ورجائي الدجاني): استند الملك الحسين في تنفيذ هذا الزلزال الإداري إلى رئيس الوزراء زيد الرفاعي، الذي أوكلت إليه مهمة تفكيك التشابكات الإدارية والقانونية والمالية المعقدة بين الضفتين، حيث تم استخدام كاريزما الرفاعي وحزمه كـ "مصدّات" لامتصاص الارتدادات الداخلية. وإلى جانبه، برز دور وزير الداخلية (رجائي الدجاني) كالذراع التنفيذي الذي أدار إصدار التعليمات المعقدة المتعلقة بالجنسية والبطاقات.
* الذراع الدبلوماسي (طاهر المصري ومروان القاسم): ضمن عضوية اللجنة المصغرة، برز دور طاهر المصري (وزير الخارجية) ومروان القاسم (رئيس الديوان الملكي)، ليشكلا العقل الدبلوماسي الذي أدار علاقة الأردن مع المجتمع الدولي، والدول العربية، ومنظمة التحرير. وقد وظف النظام هذه النخبة الدبلوماسية بمرونة لتسويق القرار، وشرح حيثياته المتعلقة بحماية الهوية الأردنية ودعم القرار الفلسطيني المستقل، وتجنب أي تصادم جيوسياسي.
* الذراع الفكري والسياسي (عدنان أبو عودة): كان أبو عودة (وزير البلاط والمستشار السياسي) العقل الاستراتيجي الذي ساهم في صياغة "السردية السياسية والفكرية" للقرار. وقد مثّل أبو عودة الاختيار الأذكى في اللجنة؛ حيث تولى إقناع النخب بأن فك الارتباط ليس "تخلياً عن القضية"، بل إبراز للهوية الوطنية الأردنية الخالصة.
**
* انقسام النخبة السياسية: قراءة في الموقف المعارض لقرار فك الارتباط:
على صعيد آخر، كشفت مذكرات النخبة السياسية عن وجود تباينات جوهرية داخل مطبخ القرار نفسه، إذ عبّر طاهر المصري (وزير الخارجية آنذاك) عن معارضته الصريحة لهذا الإجراء، واصفاً إياه في وقتها بـ "نقطة سوداء في تاريخ الأردن". انطلق المصري في موقفه من اعتبارات وطنية وقومية، مستهجناً "آلية الإقصاء" التي استُبعد فيها كوزير للخارجية من التشاور حول قرار استراتيجي بهذا الحجم ( سمع بالقرار من خلال خطاب الملك الحسين المتلفز )، ومبدياً انزعاجه من الطريقة التي اتُخذ بها القرار بمعزل عن الترتيبات التنسيقية مع منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي لقاءٍ خاص مع الملك الحسين، قدّم المصري مرافعة دستورية وسياسية، مؤكداً أن فك الارتباط - باعتباره نقيضاً لاتفاقية الوحدة عام 1950 - كان ينبغي أن يمر عبر الوسائل والآليات الدستورية عينها، لا تحت تأثير الانفعال أو ضغوطات قرارات القمم العربية.
ورغم محاولات النظام احتواء موقفه وطلب الملك منه التريث لمصلحة وطنية عليا تتعلق بملف الاعتراف الدولي بالمنظمة، ظل المصري متمسكاً برؤيته النقدية؛ مما يعكس وجود مراجعات داخلية داخل النخبة السياسية الأردنية، وانقسامها بين تيارين: تيارٌ رأى في فك الارتباط ضرورة سيادية استباقية، وتيارٌ آخر رأى فيه مخاطرة جيوسياسية وهدم لأدوار تاريخية للدولة الأردنية.
**
خلاصة:
ويمكن القول أن قرار فك الارتباط عام 1988 شكّل "نقطة الصفر" الجديدة في مسار هندسة النخبة الأردنية. فقد أزاح هذا القرار عبء القضية الفلسطينية كشأن داخلي أردني، ووضع الدولة وجهاً لوجه أمام استحقاقاتها الداخلية البحتة (الاقتصادية والسياسية).
ومع حصر النخبة السياسية في جغرافية الضفة الشرقية، وفقدان النخب لورقة "التمثيل المزدوج"، تصاعدت المطالب الداخلية بضرورة إعادة توزيع مكتسبات السلطة وإرساء قواعد ديمقراطية حقيقية لإدارة الجغرافيا الأردنية الخالصة، وهو ما جعل هذا القرار يمثل "المقدمة البنيوية" لانفجار أزمة 1989 وعودة الحياة البرلمانية الكاملة.
**
الصورة:
في الوسط: الملك الحسين، زيد الرفاعي.
اليمين: الشريف زيد بن شاكر، طاهر المصري، طارق علاء الدين.
اليسار: عدنان أبو عودة، مروان القاسم، رجائي الدجاني.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير