جفرا نيوز -
الكاتب والباحث: د.محمود سمور
عضو الهيئة العامة لاتحاد الكتاب والادباء الاردنيين وعضو المجلس المركزي لحزب العمال .
المقدمة
السموم الميكروبية واحدة من أكثرمنتجات الكائنات الدقيقة تعقيدًا وتأثيرًا والبكتيريا والفطريات وبعض الطحالب المجهرية تنتج هذة السموم خلال مراحل نموها وتكاثرها وهذه المواد ليست فقط قادرة على مهاجمة الخلايا والأنسجة الحية بل كثيرًا ما تسبب أمراض خطيرة للإنسان والحيوان وتؤثربشكل مباشرعلى سلامة الغذاء والإنتاج الزراعي وحتى الاقتصاد العالمي وشدة خطورتها تختلف بحسب نوع الكائن المنتج وتركيب السم الكيميائي وكمية التعرض وحالة الشخص الصحية ولهذا السبب اصبحت السموم الميكروبية في صلب اهتمام الباحثين والمتخصصين في الطب والصحة العامة وعلوم الأحياء الدقيقة.
ومع كل هذه المخاطرالصحية والاقتصادية فأن العلم الحديث لم يرَفي هذه السموم "عدوًا” فقط بالعكس بعضها صارأداة طبية وصناعية مهمة واصبح عندنا مثال حي لمنتج يجمع بين الخطروالفائدة ولهذا فأن فهم ومعرفة خصائصها وآلياتها لا يساعد فقط في الوقاية بل يفتح المجال لصناعة أدوية وعلاجات جديدة تفيد الإنسان.
أولًا: ما هي السموم الميكروبية؟
السموم الميكروبية مركبات كيميائية سامة تنتجها أنواع مختلفة من الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا والفطريات والطحالب وأحيانًا تفرزها أثناء النمووأحيانًا بعد تحلل هذه الكائنات وتركيبتها وآلية عملها تختلف بشكل كبير فمنها ما يهاجم الجهازالعصبي ومنها ما يؤثرفي الكبد أوالكلى أوالجهازالهضمي أوالمناعة وبعض تلك السموم يؤدي لمشكلات صحية حادة حتى بوجود كميات ضئيلة للغاية وهذا ما يجعلها مهمة في مجالات التشخيص والرقابة.
ببساطة السموم البكتيرية تنقسم غالبًا إلى :
1- سموم خارجية: بروتينات تفرزها بكتيريا نشطة وتتمتع بسمية شديدة وتأثيرمركزعلى أعضاء معينة ).Exotoxinsوممكن تحويل بعضها إلى سموم معطلة لصنع اللقاحات (
2-سموم داخلية: جزء من جدارخلية بكتيريا سالبة الغرام تتحرربعد موتها أو تحللها وأحيانًا تسبب الحمى أو ).Endotoxins( حتى الصدمة الإنتانية
(Mycotoxins)الفطريات موضوع آخرفهي تفرزسمومًا فطرية
وهي من أخطرملوثات الأغذية عالميًا هذه السموم تلوّث الحبوب والمكسرات والأعلاف بسهولة إذا وُجدت في ظروف تخزين سيئة والأخطرأن هذا السم يبقى في الغذاء نفسه حتى لوأزلت الفطر.
ثانيًا: أشهر السلالات الميكروبية المنتجة للسموم
بعض أنواع البكتيريا تقوم بتطورنفسها عبرجيناتها القدرة على إنتاج سموم قوية جدًا وهذه السلالات وراء عدد كبيرمن الأمراض المنقولة بالغذاء أوالعدوى المباشرة لذلك تجدها دائمًا محورالتحاليل في مختبرات الصحة
أشهر السلالات البكتيرية المنتجة للسموم:
1-بكتيريا كوليستريدم بوتولونيوم : تنتج سم البوتولينوم وهو واحد من أقوى السموم الطبيعية ).Clostridium botulinum( فهويوقف الإشارات العصبية للعضلات فيسبب شللًا خطيرًا
2- بكتيريا كوليستريدم تيتاني: تنتج سم الكزازالذي يصيب الجهازالعصبي ويتسبب في تقلصات ).Clostridium tetani( عضلية شديدة
3- بكتيريا كورينباكتيريم دفتيريا : تفرزسم الدفتيريا ويمكن أن يؤدي إلى تلف القلب والأعصاب ).Corynebacterium diphtheriae( لولم يتم علاج الحالة مبكرًا
4- بكتيريا المكورات العنقودية المذهبة : تنتج سموم معوية تسبب تسمم غذائي سريع وعنيف ).Staphylococcus aureus( وغالبًا تكون مقاومة للحرارة
5- بكتيريا الايشيريشيا القولونية : تفرزسم الشيغا الذي يهاجم القولون ويسبب أحيانًا فشلًا كلويًا.
).Escherichia coli O157:H7(
6- بكتيريا ضمة الكوليرا : تنتج سم الكوليرا المسبب الرئيسي للإسهال المائي الحاد
).Vibrio cholera(
أما بالنسبة للفطريات فهناك:
1- فطرعفن الرشاشيات –اسبيرجيليس فلافيس : يفرزسم الأفلاتوكسين وهومن أشرس المسرطنات الطبيعية وله علاقة قوية بسرطان الكبد
).Aspergillus flavus(
2- فطرعفن الرشاشيات –اسبيرجيليس باراسيتيكوس: ينتج أنواع إضافية من سموم ).Aspergillus parasiticus( الأفلاتوكسين وكلها خطيرة على الأغذية
3- فطرفوسوريم : ينتج العديد من السموم (فومونيزينات، تريكوثيسينات، زيرالينون)؛ كلها ).Fusarium sppمضرة للإنسان والحيوان (
4- فطرعفن بنسلينيوم فيروكوسم: ينتج سم أوكراتوكسين الذي يهاجم الكلى وقد يكون له علاقة ببعض ).Penicillium verrucosumالأورام (.
ثالثًا: تأثيرالسموم الميكروبية على صحة الإنسان
السموم الميكروبية تسبب أمراض متنوعة وشدة الأعراض تعتمد على نوع وجرعة السم وطريقة دخول الجسم سواء كان ذلك عن طريق الطعام والماء والجروح أوحتى الاستنشاق والأطفال وكبارالسن وضعاف المناعة هم الفئات الأكثرتأثرًا.
بعض أخطرالأمراض المرتبطة بهذه السموم: و
تسمم غذائي حاد. -
تسمم وشيقي. (Botulism) -
الكزاز. -
الدفتيريا.-
الكوليرا.-
إسهالات نزفية.-
فشل كلوي ناتج عن سم الشيغا.-
. سرطان كبد ناتج عن التعرض المزمن للأفلاتوكسين-
تلف الكبد والكلى والجهازالعصبي. -
ضعف المناعة وزيادة خطرالأمراض. -
وحتى الكميات الصغيرة من السموم الفطرية مع الوقت تعمل في الجسم وتُسبب أضرارًا تراكمية لا تظهرإلا بعد سنوات لذلك الفحص المبكروالوقاية في غاية الأهمية.
رابعًا: التأثيرالاقتصادي للسموم الميكروبية
تأثيرالسموم الميكروبية لا يقتصرعلى صحة الأفراد بل هناك خسائراقتصادية ضخمة أيضًا و ساد أغذية و تراجع الإنتاج الزراعي ونفوق حيوانات وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وحتى توقف تصديرمنتجات زراعية مخالفة للمواصفات وبرامج الكشف والرقابة تتطلب استثمارات هائلة وتسببت السموم الفطرية وحدها بخسائرعالمية سنوية تقدربالمليارات وحماية الأمن الغذائي تبدأ من مراقبة هذه المواد الخطرة.
خامسًا: الفوائد الطبية والعلمية للسموم الميكروبية
رغم شهرة السموم الميكروبية بأنها مواد خطيرة إلا أن الباحثين وجدوا لها استخدامات طبية وأحيانًا صناعية بشرط التحكم في الجرعات وتنقيتها جيدًا وبعض أهم التطبيقات:
1- سم البوتولينوم يستخدم الآن في علاج تشنجات عضلية معينة وأصبح من أساسيات طب (Toxoids)التجميل.
2- صناعة لقاحات الكزازوالدفتيريا تعتمد على السموم المعطلة.
3- تستخدم في أبحاث السرطان والعلاجات المستهدفة.
4- تساعد كمجسات بحثية لفهم الخلايا والجهازالعصبي.
5- دعم العمل المخبري في التشخيص.
هذا يؤكد أن دراسة هذه السموم ليست فقط لحمايتنا من ضررها بل لاستخلاص فوائدها في خدمة الطب والعلوم.
سادسًا: الوقاية من السموم الميكروبية
الوقاية تبدأ من المزرعة أوالمصنع وصولًا إلى طبق الطعام ويجب التشديد على أنظمة الجودة وسلامة الغذاء والرقابة المستمرة ومن أهم الإجراءات:
1-اتباع ممارسات تصنيع جيدة وأنظمة سلامة الغذاء.
2-تخزين الأغذية في درجات حرارة مناسبة.
3-منع نمو الفطريات أثناء تخزين الحبوب والأعلاف.
4-فحوصات مخبرية دورية.
5-الالتزام بالمواصفات المحلية والدولية.
6-نشرالوعي حول الوقاية من التسمم الغذائي.
7- تدريب العاملين وتحسين وسائل الكشف المبكر.
8- تعزيزالتعاون بين الجهات الرقابية.
كلها أمور تقلل من خطر هذه السموم وتأثيرها السلبي على الصحة والاقتصاد.
الخاتمة
السموم الميكروبية من أصعب التحديات أمام الصحة العامة وسلامة الغذاء والاقتصاد وبما تسببه من أمراض وخسائركبيرة ولكن التقدم العلمي حوّل بعضها إلى أدوات علاجية ووسائل تشخيص عالية القيمة وبناء المعرفة الدقيقة هو الأساس لتحويل الخطرإلى فرصة لصالح الإنسان.
وهنا تأتي أهمية تعزيزالرقابة وتطويرتقنيات كشف سريعة والالتزام بأنظمة الجودة وسلامة الأغذية ودعم البحث العلمي لفهم هذه السموم واستخدام فوائدها والحد من أضرارها والخطوة هذه ستحمي صحة الناس وترفع الأمن الغذائي وتدعم التنمية الاقتصادية المستدامة ولنصنع نظامًا صحيًا وغذائيًا أقوى لأجيال المستقبل.