اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

أطفال الطلاق.. الضحايا الصامتون: كيف تُسقط "سلامة الجدران والأثاث" وتقارير الشاي والقهوة رعاية المحضون؟

الإثنين-2026-07-06 04:37 pm
جفرا نيوز -
د. دانا خليل الشلول 

​تحكم قطاع الأحوال الشخصية نصوص تشريعية دقيقة تُنظِّم علاقة الآباء المنفصلين بأبنائهم، إلا أنَّ التطبيق العملي على أرض الواقع يكشف عن فجوات إجرائية وتنسيقية حادة تضع المصلحة الفضلى للطفل في مهب الريح، حتى في الحالات التي يبدي فيها الطرفان التزاماً حرفياً بالقرارات القضائية.


​مفارقة الرعاية المبتورة وسن المبيت:

عند بلوغ الطفل سن السادسة، ينتقل الملف مباشرة إلى تنظيم المبيت القانوني، بعد أن كانت العلاقة مقتصرة في المرحلة السابقة على مجرد سويعات معدودة للمشاهدة، وحتى في حال التزمت الحاضنة التزاماً تاماً بالاستلام والتسليم في المواعيد المحددة للمشاهدة ولم تتغيب عنها، تبرز الفجوة التشريعية الخانقة من تلقاء نفسها؛ إذ لا يوجد في القانون نصٌ ملزم يضمن للأب قنوات اتصال مرنة للاطمئنان اليومي، أو يُجبر الحاضنة على تقديم تقارير دورية حول الحالة الصحية أو التعليمية للطفل. وفي حال استلم الأب طفله مريضاً وقام بعلاجه، فإنَّه يضطر لإعادته دون امتلاك أي حق قانوني بمتابعة وضعه الصحي طوال الأسبوع التالي، مما يحوِّل الأبوة إلى "مواعيد جامدة" تنقطع فيها الرعاية في أكثر الأوقات حرجاً.



​الفراغ المعرفي وغياب الشفافية:

يمتد هذا العزل الإجباري للأب تلقائياً من المحيط الأسري إلى المقاعد الدراسية والملفات الطبيّة؛ فإذا غاب الطفل عن مدرسته أو تراجع تحصيله العلمي، لا توجد آلية إلزامية تخطر الأب بذلك؛ حيث إنََ غياب "نص الشفافية الملزم" هذا يمنع الولي من الاطلاع الفوري على مسيرة طفله الحياتية، لتتحول الحضانة من مسؤولية مشتركة إلى عزل تام للطرف الآخر عن واقع أبنائه.



​ثغرات حماية الأسرة وضياع الأدلة:

وحين تضيق السبل بالأب ويلجأ إلى إدارة حماية الأسرة لتوثيق تقصير أو إهمال بحق الطفل، تصطدم الرغبة في الحماية بثغرات إجرائية تؤثر على جوهر القضية؛ فلا توجد نصوص تُلزم الحاضنة أو إدارة حماية الأسرة بطلب تقرير طبي عاجل وفوري لحالة الطفل عند فتح الملف، أو في حالة ادعاء الأب بمرض طفله أو تعرضه لخطرٍ ما  ولو كان متيقناً، وحتى إن طُلِب منها ذلك، لا يوجد إطار قانوني يفرضه فوراً؛ هذا التراخي الإجرائي يمنح وقتاً لتغير الحالة الصحية للطفل أو تلاشي الأعراض المادية، مما يؤدي إلى ضياع الدليل القاطع على وجود التقصير.



​زيارات شكليّة وتقارير روتينية:

يضاف إلى ذلك آليّة الزيارات الميدانية لمنزل الحاضنة التي تقررها اللجان في حماية الأسرة؛ حيث يغيب عنها عنصر المفاجأة نتيجة التنسيق المسبق، أو تصطدم بتواجد الطفل في الروضة أو المدرسة معظم المرات أو جميعها، وتكرار هذه الزيارات دون رؤية المحضون أو محاورته يحوّل الإجراء بأكمله إلى مجرد "إثبات خط سير" أو "قياس شوارع" ، للموظفين دون فحص حقيقي لحالة الطفل، مما يمنح الطرف المقصر غطاءً إجرائياً شكلياً. وتصل هذه السطحية ذروتها عندما تتحول الزيارة الرسمية في بعض الأحيان إلى "واجب ضيافة اجتماعي" يمر عبر تقديم الشاي والقهوة، وينتهي اللقاء بانتهاء المظاهر الترحيبية دون أي ملامسة لواقع المحضون. والخطورة هنا تمتد إلى التقرير الإداري الذي يُكتب في نهاية الزيارة بعبارات روتينية جافة تُثبت سلامة البيئة والنظافة بناءً على قشور ماديّة برّاقة، دون أن يُسمع صوت الطفل أو يُتأكد من وجوده أصلاً.



​معضلة الاختصاص وعجز القياس النفسي:

إن هذا القصور الإجرائي يتفاقم عندما تُحال ملفات الأمن النفسي للأطفال إلى موظفين إداريين أو باحثين اجتماعيين عموميين يفتقرون للتخصص الدقيق في علم النفس العيادي وسلوك الطفولة؛ فتقييم الاستقرار الوجداني للطفل وحمايته من التعبئة الممنهجة أو "غسيل الدماغ" ضد والده لا ينجح بحوار عابر في صالون الحاضنة وذويها وهم يحتسون القهوة، بل يتطلب أدوات تخصصيّة مفقودة تماماً في منظومتنا الرقابية الحالية؛ كالاختبارات الإسقاطية لتحليل رسومات الطفل سيكولوجياً، والمقابلات الإكلينيكية المقننة في بيئة محايدة، ورصد السلوك غير اللفظي كالتأتأة وقضم الأظافر، فغياب هذه الأدوات والمختصين المؤهلين لتطبيقها يعني أنّ تقارير الكثير من الباحثين الاجتماعيين في حماية الأسرة تكتفي بـ"سلامة الجدران والأثاث" وتهمل "سلامة الإنسان وسيكولوجيته"، تاركة الطفل ضحية لتنكيل نفسي صامت خلف الأبواب المغلقة.




​حصانة مُفرِطة وغياب العقوبة الرادعة:

ولا تقف المعضلة عند حدود التشخيص، بل تمتد إلى عمق البيئة القضائية في المحاكم الشرعية؛ إذ يغيب تماماً أي نص قانوني يمنح المحكمة الشرعيّة سلطة التفتيش الدوري والرقابة المستمرة على منزل الحاضنة للتأكد من سلامة رعاية الطفل بعد صدور الحكم، والأخطر من ذلك هو الفراغ العقابي؛ فلا توجد نصوص رادعة أو عقوبات واضحة ومباشرة تُجرّم الحاضن في حال ثبت قيامه بتعنيف الطفل نفسياً، أو ضربه، أو ممارسة التعبئة الممنهجة ضد الطرف الآخر؛ وهذا الغياب الرقابي والعقابي يمنح طرفاً واحداً حصانة مطلقة خلف الأبواب المغلقة، ويجعل المحاكم الشرعية تكتفي بإصدار الأحكام دون امتلاك أدوات حقيقية لمحاسبة من يسيء استخدامها.




​معضلة الإثبات وعجز القياس أمام المحاكم النظامية:

وعلى النقيض من المحاكم الشرعية، تتيح المحاكم النظامية ملاحقة التعنيف والضرب قانونياً، لكن القضاء يصطدم هنا بمعضلة إثبات بالغة التعقيد؛ فكيف يمكن إثبات الضرر الجسدي والطفل قاصر لا يملك الأهلية القانونية للتوجه للطب الشرعي بمفرده، وغالباً ما تتلاشى الآثار المادية للاعتداء والكدمات البسيطة قبل توثيقها؟ والأشد تعقيداً هو غياب أي أدوات تشريعية أو لجان تخصصية تقيس "الأثر النفسي" أو التعبئة الممنهجة التي يتعرض لها الطفل خلف الأبواب المغلقة، هذا العجز عن إثبات التعنيف المادي وغياب قنوات القياس النفسي يحوّل الحقوق المشروعة إلى نصوص معطلة، ويترك عبء الإثبات مستحيلاً على الطرف المتضرر ليتلاشى الأثر العقابي تماماً.



​نحو منظومة تنسيقية مرنة

خلاصة القول: إنَّ إصلاح منظومة الأحوال الشخصية وحماية الطفولة لا يتطلب فقط نصوصاً تنظم المواعيد والبيئة المادية، بل يحتاج إلى "منظومة تنسيقية مرنة" — كمنصة رقمية موحدة برعاية المحكمة تُرفع عليها التقارير الطبية والمدرسية لتجنب الاحتكاك — وإعادة بناء منظومة التفتيش الاجتماعي على أسس نفسية وعيادية صارمة، لضمان ألا تضيع أجيال كاملة بين نصوص جامدة، وإجراءات شكلية، وتقارير تُكتب تحت تأثير المجاملات.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير