جفرا نيوز -
د. فراس محمود الدعجة
لم يعد السؤال اليوم: هل يمتلك الأردن رؤية اقتصادية للمستقبل؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف نضمن أن تتحول هذه الرؤية إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطنين ويعزز ثقة المستثمرين؟.
لقد جاءت رؤية التحديث الاقتصادي بوصفها مشروعاً وطنياً شاملاً يرسم ملامح الاقتصاد الأردني للعقد المقبل، واضعةً أهدافاً واضحة للنمو، وخلق فرص العمل، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز تنافسية المملكة إقليمياً ودولياً. وهي رؤية تستند إلى منهجية علمية وطموحة، إلا أن التجارب التنموية في مختلف دول العالم تؤكد أن نجاح أي رؤية لا يقاس بجودة التخطيط وحدها، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على التنفيذ بكفاءة، وسرعة، ومرونة.
فالخطط الكبرى لا تفشل عادة بسبب نقص الأفكار، وإنما عندما تصطدم بواقع إداري لا يواكب سرعة التغيير، أو بتشريعات لم تعد قادرة على مواكبة المتغيرات، أو ببنية مؤسسية لا تزال تعمل بأدوات الأمس لتحقيق أهداف المستقبل.
ولعل أول ما ينبغي التوقف عنده هو البنية التحتية، التي لم تعد تعني الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والاتصالات فحسب، بل أصبحت تشمل البنية المؤسسية والرقمية للقطاع العام. فالمستثمر في القرن الحادي والعشرين لا يبحث عن موقع جغرافي متميز فقط، بل عن حكومة ذكية، وإجراءات واضحة، وأنظمة إلكترونية مترابطة، وقرارات تُتخذ بسرعة وكفاءة.
إن تطوير البنية التحتية للقطاع الحكومي لم يعد مشروعاً تقنياً، بل أصبح ركيزة أساسية لنجاح رؤية التحديث الاقتصادي. فتكامل قواعد البيانات، وتوحيد الأنظمة الإلكترونية، وتحديث بيئة العمل الحكومية، وتعزيز الأمن السيبراني، كلها عناصر تؤثر بصورة مباشرة في جودة الخدمات، وسرعة الإنجاز، وكفاءة الإنفاق العام. فلا يمكن بناء اقتصاد رقمي متطور بينما لا تزال بعض المؤسسات تعمل بمنصات متفرقة وأنظمة لا تتواصل فيما بينها.
وإذا كانت البنية التحتية هي الأساس، فإن العنصر البشري هو المحرك الحقيقي للتنمية. فالقطاع العام هو الجهة التي يقع على عاتقها تنفيذ جانب كبير من مستهدفات الرؤية، الأمر الذي يجعل الاستثمار في الموظف العام استثماراً في مستقبل الدولة نفسها. والمقصود هنا ليس التدريب التقليدي، وإنما بناء كفاءات تمتلك القدرة على التفكير التحليلي، وإدارة التغيير، وصنع القرار، والعمل بروح الفريق، وتحويل الخطط إلى نتائج قابلة للقياس.
وقد تعزز هذا الإدراك من خلال زيارة ميدانية إلى جمهورية الصين الشعبية، حيث بدا واضحاً أن سر النهضة الصينية لم يكن في المصانع العملاقة أو شبكات القطارات فائقة السرعة فحسب، بل في الاستثمار العميق والمستدام في الإنسان. فهناك، يُنظر إلى الكادر البشري باعتباره الثروة الحقيقية للدولة، ولذلك تتصدر برامج التعليم، والتدريب، وبناء القدرات، وصناعة القيادات، أولويات السياسات العامة.
لقد أدركت الصين أن التحول يبدأ من الإنسان قبل التكنولوجيا، وأن أفضل البنى التحتية وأكثرها تطوراً لن تحقق أهدافها ما لم يدِرها موظف مؤهل، وقائد يمتلك الرؤية، ومؤسسة تؤمن بثقافة الإنجاز. وهذه رسالة تستحق التأمل ونحن نمضي في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي؛ فنجاح الرؤية لن يتحقق بامتلاك الخطط وحدها، وإنما بامتلاك الإنسان القادر على تنفيذها.
ولا تقل التشريعات أهمية عن العنصرين السابقين، فالقوانين هي البيئة التي تتحرك ضمنها الاستثمارات والمؤسسات. وكلما كانت أكثر وضوحاً واستقراراً ومرونة، ازدادت قدرة الاقتصاد على النمو واستقطاب الاستثمارات. أما تعدد المرجعيات، وتداخل الاختصاصات، وطول الإجراءات، فهي تحديات تستوجب مراجعة مستمرة تضمن أن تكون التشريعات أداة تمكين لا أداة تعقيد.
وفي السياق ذاته، حقق الأردن تقدماً ملحوظاً في مسار التحول الرقمي، إلا أن كثرة المنصات الحكومية تطرح اليوم سؤالاً مشروعاً حول مدى تكامل الخدمات الحكومية. فالهدف من الرقمنة هو تبسيط رحلة المتعامل، لا توزيعها على منصات متعددة تتطلب حسابات مختلفة، وإدخال البيانات ذاتها أكثر من مرة، والتنقل بين أنظمة لا تتكامل فيما بينها.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على الانتقال من رقمنة الإجراءات إلى إعادة هندسة الإجراءات. فالقيمة الحقيقية للتحول الرقمي لا تكمن في تحويل المعاملة الورقية إلى إلكترونية، بل في إعادة تصميم الخدمة الحكومية لتصبح أكثر بساطة، وأقل كلفة، وأكثر سرعة، مع اعتماد مبدأ "أدخل بياناتك مرة واحدة"، وربط المؤسسات الحكومية ضمن منظومة رقمية موحدة.
ولا يعني الحديث عن هذه التحديات التقليل من حجم ما تحقق خلال السنوات الماضية. فقد أحرز الأردن خطوات مهمة في تطوير البيئة التشريعية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وإطلاق برامج الإصلاح الإداري، وتحديث الخدمات الحكومية، وهي إنجازات تستحق البناء عليها. إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب التركيز بصورة أكبر على جودة التنفيذ، وقياس الأثر، والالتزام بالجداول الزمنية، وتعزيز المساءلة المؤسسية.
إن رؤية التحديث الاقتصادي ليست مشروع حكومة ينتهي بانتهاء دورة إدارية، بل مشروع دولة يراهن على المستقبل، ويستدعي شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص ،وهي شراكة لا تنجح إلا عندما تصبح الكفاءة معياراً، والإنجاز ثقافة.
ويبقى الدرس الأهم أن التنمية لا تُبنى بالمشروعات وحدها، بل بالمؤسسات التي تديرها، ولا بالتشريعات وحدها، بل بالعقول التي تطبقها، ولا بالتقنيات وحدها، بل بالإنسان الذي يوظفها لخدمة وطنه. وعندما يصبح الاستثمار في الإنسان، وتطوير المؤسسة، وتبسيط الإجراءات، وتكامل الأنظمة، أولوية وطنية متقدمة، فإن رؤية التحديث الاقتصادي لن تبقى وثيقة استراتيجية، بل ستتحول إلى واقع اقتصادي وتنموي يلمسه كل مواطن، ويثق به كل مستثمر