اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

هل الأردن بخير؟

السبت-2026-07-04 09:42 pm
جفرا نيوز -
يُطرح هذا السؤال كلما ضاقت الأحوال، أو ارتفعت وتيرة التحديات، أو اشتدت الاضطرابات في الإقليم. غير أن السؤال، في جوهره، لا يبحث عن وصف لحالة آنية، وإنما يستدعي قراءةً تمتد إلى ما هو أبعد من المؤشرات العابرة، لأن الأوطان لا تُقاس بما يعتريها من صعوبات مؤقتة، وإنما بما تمتلكه من قدرة مؤسسية على الصمود، وما تختزنه من مرونة استراتيجية تمكّنها من تحويل الأزمات إلى محطاتٍ لإعادة البناء.

والأردن، في هذا السياق، ليس دولةً عابرة في جغرافيا الشرق الأوسط، وإنما نموذجٌ لدولة استطاعت أن تبني استقرارها في بيئةٍ لم تعرف الاستقرار إلا نادراً. فمنذ نشأة الدولة الحديثة، تعاقبت على المنطقة الحروب، وتبدلت التحالفات، وانهارت أنظمة، وتغيرت خرائط النفوذ، بينما بقي الأردن محافظاً على تماسكه السياسي، واستقراره الأمني، واستمرارية مؤسساته، وهي معادلة يصعب تفسيرها بمنطق الصدفة، لأن استدامة الاستقرار ليست حدثاً، وإنما نتاج إدارةٍ رشيدة، ورؤيةٍ بعيدة المدى، وقدرةٍ عالية على استيعاب المتغيرات.

ولعل من أكثر القضايا التي تستحق التوقف عندها، أن الأردن لم يكن متلقياً لتداعيات الإقليم، وإنما كان في كثير من الأحيان حاملاً لأعبائه. فقد استقبل، على امتداد عقود، موجاتٍ متلاحقة من الهجرات واللجوء، حتى غدا من أكثر دول العالم تحملاً لهذه المسؤولية قياساً إلى عدد السكان والإمكانات الاقتصادية. ولم تكن تلك الهجرات مجرد أرقامٍ تضاف إلى السجلات الرسمية، وإنما فرضت ضغوطاً عميقة على الموارد المائية، والطاقة، والتعليم، والصحة، والإسكان، وسوق العمل، والبنية التحتية، والمالية العامة. ومع ذلك، لم تنهَر مؤسسات الدولة، ولم تتوقف عجلة الخدمات، ولم يفقد المجتمع توازنه، وهي حقيقةٌ تستحق أن تُقرأ بلغة الاقتصاد قبل أن تُقرأ بلغة السياسة.

ومن منظور اقتصادي، فإن تقييم الدول لا يقوم على حجم الموارد الطبيعية وحدها، وإنما على كفاءة إدارة تلك الموارد. والأردن، رغم محدودية موارده، استطاع أن يبني اقتصاداً قائماً على الإنسان بوصفه الثروة الوطنية الأكثر استدامة. فحين تغيب الثروات الناضبة، يغدو رأس المال البشري المورد الحقيقي للنمو، وتصبح المعرفة والإنتاجية والابتكار ركائز التفوق الاقتصادي. ولهذا، لم يكن حضور الكفاءات الأردنية في مختلف أنحاء العالم مصادفة، وإنما انعكاساً لاستثمارٍ طويل الأمد في الإنسان، باعتباره الأصل الذي لا تنضب قيمته.

ولا يعني ذلك أن الطريق يخلو من التحديات. فالاقتصاد الأردني ما يزال يواجه اختباراتٍ تتعلق بتوليد فرص العمل، ورفع الإنتاجية، وتحسين القدرة التنافسية، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتخفيف الضغوط الواقعة على المالية العامة. غير أن قراءة هذه التحديات بمعزلٍ عن السياق الإقليمي والدولي تُفضي إلى استنتاجاتٍ قاصرة، لأن الاقتصاد الأردني لم يعمل يوماً في بيئةٍ مستقرة، وإنما ظل يتكيف مع أزماتٍ متلاحقة، وصدماتٍ خارجية، وتحولاتٍ جيوسياسية فرضت أثماناً اقتصادية باهظة.

وفي هذا الإطار، تتبدى قيمة الدولة القوية؛ فهي ليست الدولة التي تغيب عنها الأزمات، وإنما الدولة التي تمتلك من الكفاءة المؤسسية ما يجعلها قادرةً على إدارة تلك الأزمات دون أن تفقد توازنها. فالحوكمة الرشيدة، وسيادة القانون، واستمرارية المؤسسات، والثقة العامة، ليست مفاهيم نظرية، وإنما أصولٌ اقتصادية تُخفض كلفة المخاطر، وتعزز جاذبية الاستثمار، وتمنح الاقتصاد قدرةً أكبر على التعافي والنمو.

ويجب أن نذكر، في فاتحة أي حديث عن مستقبل الأردن، أن مسار التنمية لا يُبنى على التشاؤم، ولا ينهض على تضخيم الإخفاقات، كما لا يستقيم مع تجاهل المنجزات. فالنقد المسؤول ضرورة، والإصلاح فريضة وطنية، غير أن الإنصاف يقتضي أن يُقرأ المشهد كاملاً، لا أن تُقتطع منه زاويةٌ واحدة. فمن السهل أن تُرصد التحديات، والأصعب أن يُدرك حجم ما حال دون تحول تلك التحديات إلى أزماتٍ وجودية.

ويبقى السؤال الحقيقي: هل الأردن بخير؟ والإجابة، في تقديري، أن الأردن بخير ما دامت مؤسساته قادرةً على أداء وظائفها، وما دام أمنه مستقراً، وما دام مجتمعه متماسكاً، وما دام يمتلك رؤيةً تتجه نحو التحديث الاقتصادي والإداري والسياسي. فالخير في منطق الدول لا يعني غياب المشكلات، وإنما يعني امتلاك القدرة على إدارتها، وتحويلها إلى فرصٍ للنهوض، وبناء مستقبلٍ أكثر استدامة.

إن الأردن لم ينتصر بوفرة موارده، وإنما انتصر بصلابة دولته، وحكمة قيادته، وكفاءة مؤسساته، ووعي شعبه. وتلك هي الثروة الحقيقية التي لا تقاس بالأرقام، ولا تُختزل في المؤشرات، وإنما تتجلى في وطنٍ بقي ثابتاً، بينما تبدلت من حوله موازين القوى، وتعاقبت الأزمات، وتغيرت خرائط المنطقة. ولهذا، فإن الحديث عن الأردن ليس حديثاً عن دولةٍ نجت من التحديات، وإنما عن دولةٍ أتقنت إدارة التحديات، وجعلت من الاستقرار مشروعاً وطنياً، ومن الاعتدال نهجاً، ومن الإنسان محوراً للتنمية، ومن المستقبل مسؤوليةً تبدأ بقرارات الحاضر.

كتبه: عبدالله الدروبي
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير