\يونس الكفرعيني
هناك دول تعبر العالم بقوتها، وهناك دول تعبره برسالتها. والأردن، رغم محدودية الإمكانات وثقل التحديات، اختار دائماً أن يكون دولة رسالة؛ يحمل قلبه قبل رايته، ويمد يده قبل أن يطلب أحد منه التصفيق.
في كل كارثة، في كل وجع، في كل مدينة منكوبة، يظهر الأردني بهدوئه النبيل: طبيباً، منقذاً، مسعفاً، جندياً للرحمة، أو عاملاً في قافلة إغاثة. لا يسأل عن المسافة، ولا عن اللغة، ولا عن الدين؛ يكفيه أن هناك إنساناً يحتاج إلى من يقف إلى جانبه.
وما فعله نشامى الدفاع المدني والكوادر الأردنية في فنزويلا لم يكن مجرد مهمة إنسانية عابرة، بل كان مشهداً أردنياً خالصاً هزّ الوجدان قبل أن يلفت الأنظار. رجالٌ جاءوا من بعيد، حملوا خبرتهم وشجاعتهم، ثم قدّموا للعالم صورة لا تُصنع بالكلمات: إنقاذٌ بضمير، وعملٌ بإيمان، وصلاةٌ في قلب الواجب.
ذلك المشهد لم يكن تفصيلاً صغيراً؛ كان تعريفاً عميقاً بالأردن. وطنٌ يؤمن أن العبادة لا تنفصل عن خدمة الناس، وأن الإيمان الحقيقي يظهر حين تتحول الرحمة إلى فعل، وحين يصبح إنقاذ حياة إنسان سجدةً أخرى في محراب الإنسانية.
هذا الدور ليس جديداً على الأردن. فمن غزة الجريحة إلى فلسطين كلها، ومن لبنان إلى كل ساحة ألم، كان الأردن حاضراً لا بالشعارات، بل بالفعل. مستشفيات ميدانية، قوافل إغاثة، كوادر طبية، طائرات مساعدات، وقلوب لا تعرف الحياد أمام وجع الأشقاء.
في غزة تحديداً، حيث حاول العالم أن يعتاد الألم وأن ينشغل عنه، بقي الأردن يذكّر الجميع بأن للإنسان حقاً في الحياة والدواء والكرامة. بقي الصوت الأردني حاضراً، وبقيت اليد الأردنية ممدودة، وبقيت القيادة الهاشمية تحمل القضية الفلسطينية لا كعنوان سياسي فقط، بل كمسؤولية تاريخية وأخلاقية ودينية.
هذه هي رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني؛ رسالة الأردن الذي لا يساوم على إنسانيته، ولا يتخلى عن دوره العربي والإسلامي، ولا يسمح أن تتحول المأساة إلى خبر عابر. قيادةٌ جعلت من الأردن ضميراً حياً في زمن تبلدت فيه ضمائر كثيرة.
وحين نقول إن نشامى الدفاع المدني والكوادر الطبية الأردنية سفراء للوطن، فإننا لا نجامِل. هؤلاء لا يحملون حقائبهم فقط، بل يحملون صورة الأردن كاملة: الشهامة، النخوة، الانضباط، الإيمان، المهنية، والرحمة. كل يدٍ أنقذت، وكل جرحٍ ضُمّد، وكل دمعةٍ مُسحت، كانت تقول للعالم: من هنا مرّ الأردن.
عظمة هذا الدور أنه لا يطلب مقابلاً. الأردن لا يقدّم الخير ليصنع دعاية، بل لأن الخير جزء من تكوينه. لا يرسل أبناءه إلى مناطق الخطر بحثاً عن صورة، بل لأن هناك أرواحاً تنتظر النجدة. لذلك تبدو صور النشامى صادقة ومؤثرة؛ لأنها خرجت من قلب الواجب لا من مسرح الاستعراض.
في عالم يمتلئ بالقسوة، يقدم الأردن درساً نادراً: أن الدولة قد تكبر بإنسانيتها، وأن الجغرافيا الصغيرة تستطيع أن تحمل رسالة واسعة بحجم العالم. فالأردن ليس مجرد بلد على الخريطة، بل موقف عند الشدة، وصوت عند الصمت، ويدٌ حين تنغلق الأبواب.
لذلك، حين يرى العالم نشامى الأردن في فنزويلا، أو أطباءه في غزة، أو قوافله إلى لبنان وفلسطين، فهو لا يرى مهمة رسمية فقط؛ يرى أخلاق وطن. يرى شعباً تربى على أن إغاثة الملهوف شرف، وأن نصرة المظلوم واجب، وأن الإنسان أخو الإنسان مهما بعدت المسافات.
سيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وأبنائه النشامى، حاضراً حيث يحتاجه الإنسان. وسيبقى علمه، حين يظهر في ميادين الألم، ليس رمزاً لدولة فقط، بل علامة أمل.
هذا هو الأردن: لا يملك ترف اللامبالاة، ولا يعرف الوقوف على الحياد أمام الوجع. وطنٌ يذهب إلى العالم بقلبه، ويعود بمحبة الشعوب واحترامها.
وما بين غزة وفنزويلا ولبنان، تمتد الحكاية ذاتها: الأردن لا يساعد لأنه قادر فقط، بل لأنه مؤمن أن الإنسانية قدره، وأن الخير رسالته، وأن النشامى خُلقوا ليكونوا في الصف الأول… حيث يكون الألم، وحيث يولد الأمل.