جفرا نيوز -
بقلم: المهندس سليم البطاينه
يعلّمنا التاريخ إن امتلكنا القدرة على قراءته بلا أوهام أن الهزائم لا تبدأ في ساحات القتال ، بل عندما تفقد الدولة وظيفتها كـ إطار جامع وحامياً للنسيج الوطني.
عند تصفحي لخرائط الشعوب التي احترقت من داخلها مثل : رواند والصومال ، والسودان ، وزنجيبار ، وجدت ان النار لم تبدأ بالبنادق ، بل بالكلمة ، وبسلوك صغير تجاهله الجميع حتى صار وحشاً وغولاً يهدد النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية.
قبل عام ١٩٧٠ لم يكن سؤال الهوية حاضراً ، أما اليوم الأردن يواجه أزمة هوية تتجاوز نطاق السياسات الداخلية إلى التأثير المباشر والعميق … والحقيقة انها ليست المرة الأولى التي يتم فيها اللعب بورقة الهوية !
والمتصفح لمنصات التواصل الاجتماعي الأردني يصاب بالذهول وهو يقرأ ويشاهد ويسمع ما يصدر عن جزءٍ ليس ببسيطٍ من الأردنيين والأردنيات لمقذوفات ، ومفردات تَقطُر حقداً وكراهية ! تحاول خلق شرخ داخل النسيج المجتمعي الأردني !
نحن نمشي فوق جمر ساكن ، ونظن ان السكون أمان ، وكأن شرارة الفتنة ، وما ينتج عنها يحتاج لإستئذان قبل ان يشتعل ! فهي لم تنشأ من فراغ ! بل هي وليدة مماراسات قديمة في بنية الدولة والمجتمع ،،، واستمرار الصمت تجاه هذه الأدوار الخطرة هو مشاركة في الجريمة.
وهنا يقف الأردني امام سؤال وجودي خطير : ما معنى ان أكون أردنياً في ظل هذه الأصوات التي تدعوا الى الفتنة وتفكيك النسيج المجتمعي ؟ وما معنى الهوية نفسها ؟ هل هي قالب جاهز نرثه من الأجداد ، أم بناء متحرك نعيد تشكيله باستمرار ؟
وما هي الرؤيا والسردية التي تجمعني بأبناء هذا الوطن ؟ وما هو المشروع الذي يمنحني الهوية والانتماء في آن واحد ؟
ليعرف الجميع أن الهوية الأردنية لم تكن يوما هوية مغلقة أو أحادية !! فهي هوية مرنة قادرة على استيعاب التنوع وتحويله إلى مصدر اجتماعي قوي، وقادرة على صياغة انتماء يمنح المواطن كرامة ومعنى ، ومستقبلاً مشتركاً مع الآخرين … ذلك هو جوهر الهوية في معناها الحقيقي ، في جنوب أفريقيا لم تسقط العنصرية لأن البيض اقتنعوا فجأة بالعدالة ، ولا لأن السود انتصروا على البيض ،، بل لأن الطرفان وصلا إلى لحظة أدرك فيها كل منهما أن استمرار ما يحدث سيقود إلى خراب شامل … وعند هذه النقطة يصبح الخوف من الغد ومن القادم من الأيام مفهوماً.
إنها محاولة للنظر في الداخل مدفوعة بأسئلة محددة : من يدير الفتنة في الأردن ؟ وهل المطلوب من الأردن أن ينزلق نحو الفوضى ؟ ألم تتعلموا من الماضي ؟ الشعوب تنهار عندما تتخلخل هويتها !
النقاش في هذا الموضوع غالباً المنتصر فيه خاسر ، لكن للأسف … أصبحنا في مواجهة مناخ عام مسموم، وتحولّت فيه الجغرافيا من فضاء وطني جامع إلى أوعية فرز وعزل.
ومن الصعب جداً ! بل من المستحيل ان تكتب عن الهوية في الأردن وتكون محايداً : الاستقرار هو العامود الفقري للأردن ، واليوم جميعنا في اختبار حقيقي عنوانه الهوية الوطنية الأردنية الجامعة ، وكلنا مسؤولون عن وصولها لـ بر الأمان.
حمى الله الأردن من فتنٍ تتّسع رقعتها شيئاً فشيئاً ، لا تبقي ولا تذر،
تقسم الأردنيين بين ملائكة وشياطين.