اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

مهرجان جرش... الهوية يحميها التطوير لا الجمود

الخميس-2026-07-02 02:44 pm
جفرا نيوز -

نور ابوسماقة - مخرجة مسرح


من يحترم تاريخ مهرجان جرش للثقافة والفنون، عليه أيضاً أن يحترم حق كل إدارة جديدة في الاجتهاد والتطوير. فالإدارات لا تُقاس بالنوايا، ولا تُحاكم قبل أن تبدأ عملها، وإنما يُحكم عليها بما تنجزه على أرض الواقع. ولو بقيت المؤسسات الثقافية الكبرى أسيرة الخوف من التغيير، لما استطاعت أن تستمر أو تنافس أو تحافظ على مكانتها.

من حق الجميع أن يقلق على مهرجان جرش، وأن يناقش برامجه ورؤيته ومستقبله، فهذا المهرجان ليس ملكاً لإدارة، ولا لمجلس إدارة، ولا لحكومة، بل هو أحد أهم المنجزات الثقافية الوطنية التي صنعت ذاكرة الأردنيين والعرب على امتداد أربعة عقود.

لكن من حق الإدارة الجديدة أيضاً أن تُمنح الفرصة الكاملة قبل أن تُحاكم، وأن تُقاس بإنجازاتها لا بالتصورات المسبقة، وبما تحققه على أرض الواقع لا بما يُخشى أن يحدث.

فالمرحلة التي يعيشها العالم اليوم تختلف تماماً عن تلك التي انطلق فيها مهرجان جرش. صناعة الثقافة تغيرت، والمنافسة بين المهرجانات العربية والدولية أصبحت أكثر تعقيداً، وأصبحت الاستدامة المالية، واستقطاب الرعاة، والتسويق الذكي، والوصول إلى أجيال جديدة من الجمهور، عناصر أساسية في نجاح أي مهرجان. وهذا لا ينتقص من رسالته الثقافية، بل يضمن استمرارها.

وهنا يجب التمييز بين تغيير الهوية وتطوير أدوات العمل. فالهوية هي الرسالة الوطنية والثقافية التي تأسس عليها المهرجان، أما الوسائل فهي قابلة للتطوير والتحديث. فلا الشراكة مع القطاع الخاص تعني بالضرورة هيمنة منطق السوق، ولا تحديث الهوية البصرية يعني إلغاء الذاكرة، ولا التفكير خارج الأطر التقليدية يعني التخلي عن رسالة المهرجان.

لقد أصبحت الشراكات اليوم نهجاً تتبعه كبرى المهرجانات في العالم، لأنها توفر الإمكانات اللازمة لتطوير المحتوى واستقطاب الجمهور وتخفيف العبء عن المال العام. والعبرة ليست بوجود الشريك، بل ببقاء القرار الثقافي مستقلاً، وبقاء المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار آخر.

أما الفنان الأردني، فهو سيبقى الركن الأساسي في مهرجان يحمل اسم الأردن، ولا يختلف اثنان على أهمية توسيع حضوره ودعمه. لكن هذه القضية لا يمكن اختزالها في دورة واحدة، ولا تحميل إدارة جديدة مسؤولية تراكمات امتدت لسنوات. بل تحتاج إلى رؤية شاملة تعالج واقع الإنتاج الفني، وفرص العرض، والدعم، والتسويق، بما يضمن حضور الفنان الأردني طوال العام، لا خلال أيام المهرجان فقط.

وفيما يتعلق بالهوية البصرية أو البرمجة الفنية أو أي أفكار جديدة، فإن تقييمها يجب أن يكون بعد أن يراها الجمهور وتظهر نتائجها، لا قبل ذلك. فليس كل تغيير هدماً، وليس كل تطوير خروجاً على التاريخ، بل إن التاريخ نفسه يثبت أن المؤسسات التي تتوقف عن التطور تبدأ بالتراجع.

لقد اعتدنا أن نطالب بالتجديد، لكننا نتردد أمام أول خطوة نحوه. نريد مهرجاناً أكثر حضوراً وتأثيراً، وأكثر قدرة على المنافسة، ثم ننظر إلى كل فكرة جديدة بعين الشك قبل أن تُختبر. وهذه مفارقة لا تخدم المهرجان ولا تخدم الثقافة الأردنية.

إن النقد حق، بل ضرورة، لكنه يزداد قيمة عندما يستند إلى الوقائع والنتائج، لا إلى الافتراضات. أما إصدار الأحكام قبل افتتاح الدورة الأربعين، فهو لا ينسجم مع أبسط قواعد الإنصاف، لأن الإدارة الجديدة لم تطلب سوى فرصة لتقدم رؤيتها، ومن حقها أن تُمنح هذه الفرصة كاملة.

إن نجاح مهرجان جرش ليس نجاحاً لأشخاص أو لإدارة بعينها، بل هو نجاح للأردن، ولرسالته الثقافية، ولصورته الحضارية أمام العالم. ولذلك فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن نكون شركاء في إنجاح هذه الدورة، وأن نمارس حقنا في النقد بعد أن نرى النتائج، لا قبل أن تبدأ التجربة.

فالهوية لا يحميها الجمود، بل يحميها التطوير الواعي. والتاريخ لا يُصان بتكرار نفسه، وإنما بقدرته على أن يصنع مستقبلاً يليق بما حققه في الماضي. وهذا ما نأمل أن تحققه الإدارة الجديدة، وما ينبغي أن نمنحها الفرصة لإثباته.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير