الإعلاميّة منى الشوابكة
«مَن يكتبُ حكايتَه يرثُ أرضَ الكلام، ويملكُ المعنى تماماً»
تختارُ الكاتبةُ قولَ محمود درويش بوصلةً لروايتها، فتُعلنُ منذُ العتبةِ أنّ الكتابةَ هنا فعلُ ميراثٍ لا فعلُ تسليةٍ، وحارسةُ ذاكرةٍ تُنقذُ من النسيانِ ركناً منسيّاً من عام 1948: معسكرَ الاعتقال «791» في قرية إجليل القبلية قربَ يافا، حيث احتُجِزَ الفلسطينيون المدنيّون في أقفاصٍ من الأسلاكِ الشائكة. فما لا يُكتَبُ يُمحى، والأمكنةُ التي يُسكتُ عنها تُهدَمُ مرّتين: مرّةً تحتَ الجرّافة، ومرّةً في النسيان؛ ومن هذا اليقينِ تُولَدُ الرواية.
تفتحُ الروايةُ نافذتَها على القدسِ قبلَ النكبةِ بأشهر: حيُّ الطالبية، ودارُ الإذاعةِ التي يتردّدُ فيها نداءُ «هنا القدس»، حيث ينمو الحبُّ بينَ عيسى المذيعِ الشابِّ ونائلةَ مقدّمةِ برامجِ الأطفال. وببراعةٍ تُحيي الكاتبةُ حضارةً كاملةً في صفحاتٍ معدودةٍ ـ مقاهيَ يافا على البحر، ومواسمَ الزيتون، وأسمى طوبي أوّلَ إعلاميةٍ فلسطينية ـ كي يعرفَ القارئُ حجمَ ما خُسِر، فلا يقعَ المحوُ على فراغٍ بل على عمرانٍ ومعنى. ثمّ يأتي الانكسار: يُقتَلُ عيسى على يدِ الشرطةِ الإنجليزية، فتنعيهِ أمُّه «ست روز» بزغرودةٍ تُسكِتُ الجميع، تُحيلُ الفجيعةَ طقساً جماعياً، وتُحوّلُ الأمَّ الثكلى من ضحيةٍ تبكي إلى شاهدةٍ تُسائلُ وتُورِّثُ الوصية.
«791»، حيث تُساقُ نائلةُ وصفيّةُ مع أهلِ قُراهم إلى عالمٍ من الأقفاصِ والأسلاكِ الشائكة، وغرفٍ بلا سقوفٍ مفتوحةٍ على السماء، ورائحةٍ تنبعثُ من أكوامِ الجثثِ المتراكمةِ في الزوايا؛ يَدخلُه الناسُ أسرى ولا يُغادرونَه إلا بتصريح. وهنا يبلغُ قلمُ الكاتبةِ ذروتَه في معادلةٍ صعبةٍ قلّما تُتقَن: أن يكونَ صادقاً لا يُجمِّل، ورحيماً لا يَقسو على قارئِه. فحينَ تَلِدُ صفيّةُ على الترابِ ثمّ تَقضي، تُمسِكُ نائلةُ ـ بمعاونةِ دايةٍ ـ سكّيناً صغيرةً تقطعُ بها الحبلَ السُّرّيَّ وتُنقذُ الطفل، فتُسمّيهِ «إبراهيم عيسى نعمان»، جامعةً في اسمٍ واحدٍ مَن أحبّتْهم من الموتى. وتلتفُّ حولَها خيوطُ القَدَرِ في شخصِ سلامة الساكاوي، المقاومِ الذي يحملُ أمانةً قديمةً ـ سلاحاً كان موجَّهاً إلى عيسى ـ أخفاهُ في مغارةٍ قربَ وادي الصرارِ لا يعرفُ مكانَها سواه؛ فيصيرُ الشخصيُّ سياسياً والحميميُّ وطنياً، دونَ افتعالٍ ولا خطابةٍ مباشرة.
ولعلّ أعمقَ ما يميّزُ هذا العملَ أنّ النكبةَ فيه تُروى بعيونِ النساءِ وعلى أكفِّهنّ: فنائلةُ هي الشاهدةُ والراويةُ والأمُّ المنتحَلة، وصفيّةُ هي التي تَلِدُ ثمّ تَقضي في التراب، وست روز هي التي تَنعى وتُورِّثُ الوصية، والدايةُ هي التي تَقطعُ الحبلَ وتُنقذُ الحياة، والمرأةُ المجهولةُ في الغرفةِ المجاورةِ هي التي تُرضِعُ اليتيمَ من صدرِها فتمنحُه أمومةً عابرة، وحتى جمعيةُ هند الحسيني تَحضرُ من خلفِ السطورِ لتَلُمَّ أطفالَ المخيّماتِ المشرَّدين. وبهذا التوكيدِ المتعمَّدِ على فعلِ النساءِ ـ الولادةِ والإرضاعِ والدفنِ وحملِ الرسائلِ ـ تُعيدُ الكاتبةُ مركزةَ الحكايةِ الوطنيةِ حولَ أجسادِ النساءِ وكدحِهنّ، فتكتبُ تاريخاً موازياً للنكبةِ لا تَرويهِ البياناتُ العسكريةُ ولا كتبُ القادة، بل تَرويهِ يدٌ تَلُفُّ مولوداً وأخرى تَحفِرُ قبراً.
وما يرفعُ الروايةَ فوقَ المرويّاتِ العاطفيةِ طريقتُها في مزجِ المتخيَّلِ بالموثَّقِ مزجاً بلا دَرزٍ ولا فتق: فإذاعةُ «هنا القدس»، وأسمى طوبي، وخليل السكاكيني، وجمعيةُ هند الحسيني التي تجمعُ أطفالَ النكبةِ المشرَّدين، والقائدُ عبد القادر الحسيني، وحسن سلامة وشهادتُه في معركةِ رأس العين ـ كلُّها وقائعُ راسخةٌ تتسلّلُ إلى نسيجِ الروايةِ فتمنحُها صلابةَ السند. بل إنّ معسكرَ إجليل «791» نفسَه حقيقةٌ موثَّقةٌ تُذيّلُ الكاتبةُ روايتَها بصورِه المأخوذةِ من أرشيفِ الجيشِ الإسرائيلي، إلى جانبِ هوامشَ تاريخيةٍ تشرحُ ما التبسَ على القارئ؛ فالخيالُ هنا هو الوعاء، أمّا ما يحملُه فحقٌّ لا يُدحَض. ويجري هذا السردُ على هيكلٍ من الزمانِ والمكانِ يكادُ يكونُ خريطةَ المنفى: من «القدس ـ الطالبية» إلى «معسكر 791»، فإلى «دير مار الياس»، فإلى «يافا ـ رصيف الميناء»؛ رحلةٌ من البيتِ الآمنِ إلى القفصِ المسيَّجِ فالرصيفِ الذي تُساقُ منه القوافلُ إلى الشتات. ومع قسوةِ الموضوعِ تحفظُ الكاتبةُ اتّزاناً إنسانياً يَنأى بها عن الشعارِ العاري: تُسمّي الجلّادَ وتصفُ جريمتَه، لكنّها تَتمهّلُ عندَ الرحماتِ الصغيرةِ ـ الأبِ حنّا الذي يفتحُ بابَ الديرِ للمطرودين، والأيدي التي تَتعاونُ على إبقاءِ الجنينِ حيّاً ـ فتُذكّرُنا أنّ في قلبِ الجحيمِ تظلُّ الإنسانيةُ ممكنة.
وفي معمارِها الرمزيِّ هدوءُ القوّةِ عميقُ الأثر: فالطفلُ الناجي هو المستقبلُ الذي لا يُقتَل، ونائلةُ تستحيلُ «مريمَ الفلسطينية»، واللازمةُ المتكرّرةُ «لن يحيا عيسى من جديدٍ إلا بكما» تجعلُ من مجرّدِ البقاءِ فعلَ بعثٍ ومقاومة. يصدُقُ إذاً على العملِ ما وعدَ به مفتتحُه: إنّه يكتبُ الحكايةَ ليرثَ أرضَ الكلام؛ مرثيةٌ وشهادةٌ في آنٍ، بلغةٍ تُتقِنُ الاقتصادَ حيثُ يجرحُ الاقتصادُ أكثرَ من الصراخ، وتنسابُ شاعريّةً حيثُ تُضمّدُ الشاعريّةُ ما جَرحه الواقع. يُغلِقُ القارئُ الكتابَ وهو يحملُ في كفٍّ واحدةٍ قبراً صغيراً ومهداً صغيراً ـ وتلك أرفعُ ما تطلبُه روايةٌ عن النكبةِ من قارئِها: أن نتذكّرَ موتانا، وأن نَحمي أحياءَنا.
لقد أبدعت الصديقة الروائية صفاء الحطاب بهذه الرواية 791-معسكر الإعتقال رقم 1 التي تشي بعمق قراءتها للتاريخ وهي جديرة بأن تُقرأَ، ثمّ بأن تورَّثَ كما تُورَّثُ الأمانات.