جفرا نيوز -
د. محمد ذا النون عصفور
شهدت الساحة القانونية والسياسية مؤخرًا نقاشًا حيويًا حول فلسفة إصدار قانون عفو عام جديد، ومبررات اللجوء إلى هذه الأداة الدستورية الاستثنائية. وفي هذا السياق، طالعنا رأي الزميل والخبير الدستوري الأستاذ الدكتور ليث نصراوين، الذي اعتبر فيه أن الدعوات لإصدار عفو عام بالتزامن مع إقرار حزم تشريعية جديدة (مثل قانون الضمان الاجتماعي وقانون الملكية العقارية) تفتقر إلى فلسفة تشريعية سليمة، محذرًا من الخلط بين أدوات الإصلاح التشريعي مع وسائل امتصاص الاعتراضات الشعبية, ومع الاحترام الشديد لهذه القراءة القانونية المقدرة، إلا أن النظرة المعمقة إلى واقع التشريع، وجوهر الدستور الأردني، والظروف الاستثنائية التي يمر بها الوطن الحبيب ، تحتم علينا تقديم مقاربة دستورية واجتماعية مغايرة؛ مقاربة تنظر إلى "العفو العام" ليس كأداة تسكين سياسي، بل كضرورة وطنية وأداة تصحيحية عليا تملك مبرراتها الفلسفية المستقلة والعميقة.
أولاً: المرجعية الدستورية والولاية الملكية السامية
من الناحية الدستورية الصرفة، يُعد العفو العام صلاحية أصيلة قررها المشرع الدستوري الأردني في المادة (38) من الدستور، والتي تنص صراحة على أن: "للملك حق العفو الخاص وتخفيض العقوبة، وأما العفو العام فيقرر بقانون".
إن إفراد مادة مستقلة للعفو في الدستور يثبت أن هذه الأداة لم توضع لتكون مجرد نص معطل، بل وُجدت لتدخل المشرع والقيادة الهاشمية في اللحظات التاريخية الحسم التي تتطلب تقديم "منطق الرحمة والعدالة التقويمية" على "منطق العقوبة الجنائية الجامد". وحينما يناشد الأردنيون جلالة الملك المفدى، فإنهم يستندون إلى روح الدستور الذي جعل من مؤسسة العرش صمام الأمان والملجأ الأخير لضبط الإيقاع المجتمعي وتخفيف الأعباء عن المواطنين حين تشتد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ثانياً: رد الاعتبار لفلسفة العفو العام (أداة إصلاح لا تسييس)
يرى الدكتور نصراوين أن العفو العام يمثل استثناءً على القاعدة العامة باحترام الأحكام القضائية. وهذا صحيح نظريًا، لكن الفلسفة الجنائية الحديثة تؤكد أن "الاستثناء" يُصبح "واجبًا" إذا كانت المصلحة العامة المتوخاة منه تفوق الآثار المترتبة على إنفاذ العقوبة.
وإن الدعوة لعفو عام في هذا التوقيت لا تستهدف "تمرير تشريعات" أو "تقليل كلفة سياسية" لقرارات حكومية، بل تأتي استجابةً لواقع اقتصادي واجتماعي ضاغط أثقل كاهل المواطن بالأعباء والديون والغرامات، وأدى إلى تضخم القضايا المالية المنظورة أمام المحاكم، وامتلاء مراكز الإصلاح والتأهيل بما يفوق طاقتها الاستيعابية اضعافا واضعاف ؟؟ بالتالي، فإن الفلسفة التشريعية هنا مستقلة تمامًا؛ العفو يبحث عن "تصفير الأزمات الاجتماعية المتراكمة" ليدخل المجتمع بروح جديدة قادرة على التعاطي مع التحديثات الاقتصادية والتشريعية المقبلة، وليس غطاءًا لها.
ثالثاً: التوازن بين هيبة الدولة والرحمة الهاشمية
إن التخوف من أن يؤدي تكرار العفو العام إلى النيل من هيبة القانون أو التشجيع على الجريمة هو تخوف يدحضه التاريخ التشريعي الأردني. فالنموذج الأردني في صياغة قوانين العفو العام تميز دائمًا بالحصافة والذكاء القانوني؛ حيث تُستثنى منه دائمًا الجرائم الخطرة، وقضايا أمن الدولة، والجنايات الكبرى، وحقوق العباد الشخصية والمالية إلا بالصلح والاسقاط.
ينحصر العفو عادة في المخالفات، والجنح، والقضايا المالية والمرتبطة بالغرامات، والشيكات التي يغلب عليها الطابع الاقتصادي المعيشي. او الجرائم غير المتكررة لاول مرة او الحق العام بوجود مصالحة شخصية وهذا التوازن الدقيق بين الحفاظ على الأمن المجتمعي وصون حقوق الأفراد، وبين فتح صفحة جديدة للمتعثرين والمخطئين لاول مرة ، هو جوهر "العدالة التصالحية" التي تمنح آلاف المواطنين فرصة للعودة إلى سوق العمل والإنتاج بدلاً من بقائهم خلف القضبان أو مطاردين بالقيود.
رابعاً: الضرورات تبيح المراجعة التشريعية
أشار الزميل نصراوين إلى أن آخر عفو عام صدر في عام 2024، معتبرًا أن قصر المدة الزمنية يناقض صفة الاستثناء. بيد أن تسارع الأزمات الإقليمية والاقتصادية، وانعكاساتها المباشرة على الأسر الأردنية، يجعل من "الزمن الدستوري" مرنًا ومحكومًا بمدى حاجة المجتمع. فالقوانين وُجدت لخدمة الإنسان ومراعاة ظروفه، وليس العكس. وإذا كانت الأدوات التقليدية كالتدرج في تطبيق القوانين أو وضع أحكام انتقالية مرنة مفيدة (كما اقترح الدكتور نصراوين)، إلا أنها أدوات بطيئة الأثر وموضعية، بينما تتطلب الأزمة الراهنة "جراحة دستورية سريعة وشاملة" لا يملك مفتاحها إلا قانون عفو عام متبوع بإرادة ملكية سامية.ناهيك عن ان العفو العام السابق جاء مشوها منقوصا بعزل 38 نوع من انواع الجرائم لم يشملها العفو العام السابق بحث افقدته مضمونه ؟؟؟
خاتمة:
إن المصلحة العليا للدولة الأردنية، والانسجام مع أحكام الدستور وروحه الإنسانية، تؤكد أن العفو العام الشامل هو مكرمة سيادية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة للحكومات. إنه نداء مجتمعي من قلب المعاناة، يتطلع فيه الأردنيون إلى "أبي الحسين" جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين -حفظه الله-، ليمسح بقرار أبوي حانٍ هموم الديون والقيود عن عشرات الآلاف من الأسر، مما يعزز الجبهة الداخلية، ويوطد السلم المجتمعي، ويؤكد مجددًا أن النهج الهاشمي سيبقى دائمًا قائمًا على التوازن الراسخ بين سلطة القانون وروعة الرحمة.حمى الله الاردن قويا شامخا عزيزا معززا بقيادة الاب القائد الحاني جلالة الملك المفدى والله ولي التوفيق .