جفرا نيوز -
يونس الكفرعيني
ليست كل الهزائم خسارة، وليست كل الانتصارات تُقاس بعدد الأهداف. هناك انتصارات تُكتب في ذاكرة الشعوب قبل أن تُكتب في جداول الترتيب، وهناك منتخبات تودع البطولات ورؤوسها مرفوعة لأنها نجحت في تحقيق ما هو أكبر من الفوز في مباراة؛ نجحت في صناعة الأمل، وتغيير الصورة، وإعادة تعريف الممكن.
هذا تمامًا ما فعله منتخبنا الوطني.
لقد خاض النشامى هذه التجربة بعزيمة الرجال وإصرار المؤمنين بالحلم، ووصلوا إلى حيث لم يكن كثيرون يتوقعون. لم يدخلوا المنافسة ليكونوا مجرد رقم بين الكبار، بل دخلوا ليقولوا إن الأردن قادر على الوقوف بين الأمم الرياضية بثقة، وأن أبناءه يملكون من الإرادة ما يجعلهم ينافسون حتى اللحظة الأخيرة.
من السهل أن نصفق عندما تتحقق الانتصارات، لكن القيمة الحقيقية للجماهير وللإعلام وللمؤسسات الرياضية تظهر عندما تدرك أن بناء المنتخبات الكبرى لا يتم في بطولة واحدة، ولا يُقاس بنتيجة مباراة واحدة، بل هو مشروع طويل تتراكم فيه الخبرات، وتُصحح فيه الأخطاء، ويُبنى فيه جيل فوق إنجازات الجيل الذي سبقه.
لقد قدم منتخبنا كل ما يملك، وربما أكثر مما كان متوقعًا منه. لعب بروح قتالية، وحمل اسم الأردن بفخر، وأثبت أن اللاعب الأردني يستطيع مقارعة مدارس كروية عريقة إذا ما توفرت له البيئة المناسبة والإعداد الصحيح. لذلك فإن أي تقييم لهذه المشاركة يجب أن ينطلق من حقيقة بسيطة؛ وهي أن النشامى لم يقصروا، بل اجتهدوا وأدوا رسالتهم بكل شرف، وما تحقق هو ثمرة سنوات من العمل والإيمان بالحلم.
ومع ذلك، فإن الرياضة لا تعترف بالعواطف وحدها. فكل تجربة، مهما بلغت روعتها، تحمل في داخلها دروسًا ثمينة. والمنتخبات الكبرى ليست تلك التي لا تخطئ، بل التي تحول أخطاءها إلى خطط للمستقبل. علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا تعلمنا؟
وكيف نحول هذه المشاركة إلى نقطة انطلاق جديدة؟ وكيف نضمن أن تكون المشاركة المقبلة أكثر قوة ونضجًا؟
إن الاستفادة من التجربة تبدأ بالاعتراف بأن المنافسة العالمية تتطلب تطويرًا مستمرًا في جميع التفاصيل؛ من إعداد اللاعبين، إلى اكتشاف المواهب، مرورًا بالدوري المحلي، والبنية التحتية، والطب الرياضي، والتحليل الفني، والاستثمار في الفئات العمرية. فالموهبة وحدها لا تكفي، والحماس وحده لا يصنع البطولات، وإنما تصنعها منظومة متكاملة تؤمن بأن النجاح ليس محطة، بل رحلة لا تتوقف.
ولا يمكن في هذا المقام إلا أن نتوقف أمام الجماهير الأردنية التي قدمت درسًا آخر في الانتماء. فقد كانت المدرجات مساحةً للوطن قبل أن تكون مساحةً لكرة القدم. رأينا الأعلام ترفرف، والهتافات توحد القلوب، والأطفال يحلمون، والكبار يستعيدون ثقتهم بأن هذا الوطن قادر دائمًا على صناعة الفرح. لقد أثبتت الجماهير أن الرياضة ليست مجرد تسعين دقيقة، بل مناسبة وطنية تتجدد فيها معاني الانتماء والهوية.
كما أن هذه التجربة أكدت أن الاستثمار في الرياضة ليس ترفًا، بل استثمار في الإنسان. فالنجاحات الرياضية تفتح أبوابًا للاقتصاد والسياحة، وتعزز صورة الدولة، وتمنح الشباب نماذج إيجابية يقتدون بها. وكل دينار يُنفق على بناء لاعب أو تطوير أكاديمية أو إنشاء ملعب، هو استثمار يعود على المجتمع بأضعافه في المستقبل.
ومن الإنصاف أيضًا أن نتذكر أن الطريق إلى الإنجازات الكبرى لم يكن يومًا مفروشًا بالورود. فجميع المنتخبات التي أصبحت اليوم من عمالقة كرة القدم مرت بمحطات تعثر، وخسرت مباريات مؤلمة، لكنها كانت تمتلك الشجاعة الكافية لتحويل الإخفاق إلى دافع، والخبرة إلى خطة، والطموح إلى واقع. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي ينتظرنا اليوم.
إن ما نحتاجه بعد هذه المشاركة ليس موجة عاطفية مؤقتة، ولا احتفالات تنتهي بانتهاء البطولة، بل إرادة وطنية تحافظ على الزخم، وتبني عليه، وتمنح الأجهزة الفنية والإدارية الوقت والإمكانات لمواصلة العمل. فالنجاح الحقيقي لا يكون في الوصول مرة واحدة، وإنما في القدرة على البقاء بين الكبار، والمنافسة باستمرار، وصناعة أجيال جديدة تحمل الراية بثقة أكبر.
ويبقى الأهم من كل ذلك أن منتخبنا أعاد إلى الأردنيين شعورًا جميلًا افتقدناه كثيرًا؛ شعور الالتفاف حول هدف واحد، وفرحة واحدة، وعلم واحد. في تلك الأيام، لم تكن هناك اختلافات ولا انقسامات، بل كان الجميع يهتف باسم الأردن. وهذه، في حد ذاتها، قيمة وطنية لا تقدر بثمن.
شكرًا للنشامى... لأنكم لم تمثلوا منتخبًا لكرة القدم فحسب، بل مثلتم وطنًا بأكمله. وشكرًا لكل لاعب ومدرب وإداري وجندي مجهول آمن بأن المستحيل كلمة يمكن تجاوزها بالعمل والإصرار. لقد فعلتم ما عليكم، وأكثر مما كان ينتظره كثيرون، وتركتم للأردنيين قصة يروونها بفخر، وأملًا يتمسكون به للمستقبل.
أما نحن، فعلينا أن نحافظ على هذا الحلم، وأن نستثمره، وأن نتعلم من كل لحظة فيه، لأن الأمم التي تعرف كيف تستفيد من تجاربها هي وحدها التي تكتب تاريخها بيدها.
سيبقى النشامى عنوانًا للعزيمة، وستبقى راية الأردن أعلى من أي نتيجة، لأن قيمة الأوطان لا تُقاس بما يحدث في مباراة، بل بما تزرعه تلك المباراة في نفوس أبنائها من إيمان بأن القادم دائمًا أجمل... وأن الحلم الأردني ما زال في بدايته.