جفرا نيوز -
المخرجة نور ابوسماقة
مع اقتراب انطلاق الدورة الأربعين لمهرجان جرش للثقافة والفنون، جاء الإعلان عن الهوية البصرية الجديدة للمهرجان ليؤكد أن هذه الدورة ليست مجرد محطة زمنية في تاريخ المهرجان، بل بداية مرحلة جديدة تحمل رؤية متجددة، وتجسد مسيرة أربعة عقود من العطاء الثقافي والفني تحت شعار يحمل دلالات عميقة: "إرث يمتد... أجيال تلتقي".
فالهوية البصرية ليست مجرد تصميم أو شعار، وإنما لغة بصرية تختزل رسالة المهرجان وتوجهاته، وتقدم للجمهور الانطباع الأول عن طبيعة المرحلة المقبلة.
ومن هنا، تبدو الهوية الجديدة معبرة عن توازن دقيق بين الاعتزاز بالإرث الثقافي الذي صنع اسم مهرجان جرش، وبين التطلع إلى المستقبل بروح أكثر حداثة وانفتاحًا.
أربعون عامًا من الإبداع ليست مجرد رقم، بل هي قصة نجاح أردنية بامتياز، استطاعت أن تجعل من مدينة جرش الأثرية منصة تلتقي عليها الثقافات، ومنبرًا يحتفي بالموسيقى والشعر والمسرح والفنون الشعبية والفكر، في مشهد يجمع بين عبق التاريخ وحيوية الحاضر.
وخلال هذه العقود، لم يكن مهرجان جرش مجرد مناسبة فنية سنوية، بل تحول إلى جزء من الذاكرة الثقافية للأردنيين والعرب، وإلى نافذة يطل منها الأردن على العالم.
ويحمل شعار الدورة الأربعين "إرث يمتد... أجيال تلتقي" رسالة تختصر فلسفة المهرجان؛ فالإرث هنا لا يقتصر على الآثار الشامخة التي تحتضن الفعاليات، بل يمتد إلى إرث ثقافي وإنساني صنعته آلاف الأمسيات الفنية، والعروض المسرحية، والندوات الفكرية، والقصائد التي صدحت على مسارح جرش، لتبقى حاضرة في ذاكرة الجمهور جيلاً بعد جيل.
أما عبارة "أجيال تلتقي"، فهي تعبر عن قدرة المهرجان على الجمع بين أجيال مختلفة من الفنانين والمبدعين والجمهور، حيث يلتقي رواد المهرجان الذين عاشوا بداياته مع الشباب الذين يكتشفون جرش اليوم، في تجربة ثقافية تؤكد أن الفن الحقيقي قادر دائمًا على تجاوز حدود الزمن.
ومن خلال قراءة الهوية الجديدة، نرى أن الإدارة الجديدة للمهرجان أدركت بعمق أن الدورة الأربعين تستحق أكثر من مجرد احتفال بالماضي، بل تتطلب إحداث نقلة نوعية تعزز مكانة المهرجان وتواكب تطورات صناعة المهرجانات الثقافية عالميًا.
فالهوية الجديدة تعكس رؤية تسعى إلى التطوير مع الحفاظ على الأصالة، وإلى تقديم مهرجان أكثر قدرة على مخاطبة مختلف الأجيال.
كما يبدو واضحًا أن حالة التناغم والتنسيق بين اللجنة العليا للمهرجان، برئاسة وزير الثقافة، والإدارة التنفيذية الجديدة، بدأت تؤتي ثمارها منذ الخطوات الأولى للإعداد لهذه الدورة. فقد انعكس هذا التعاون في تقديم هوية متماسكة ورسالة واضحة، تؤكد أن العمل المؤسسي والتكامل بين مختلف الجهات هو السبيل إلى تطوير هذا الحدث الوطني الكبير، وتعزيز حضوره على المستويين العربي والدولي.
وتحمل الدورة الأربعون أهمية استثنائية، ليس لأنها توثق مرور أربعة عقود على انطلاق المهرجان فحسب، بل لأنها تؤسس لمرحلة جديدة تستند إلى الإرث، وتنطلق منه نحو المستقبل. وهو ما يعزز التوقعات بأن يشهد المهرجان مزيدًا من التطوير في برامجه وفعالياته، مع المحافظة على رسالته الثقافية التي جعلت منه أحد أبرز المهرجانات في المنطقة.
وخلال الفترة الممتدة من 23 تموز وحتى 2 آب 2026، ستتحول مدينة جرش الأثرية مجددًا إلى فضاء مفتوح للإبداع، يحتضن الأمسيات الفنية والعروض الثقافية والمسرحية والفلكلورية والأنشطة الفكرية، في احتفال يؤكد أن الثقافة ما تزال إحدى أهم أدوات بناء الوعي وتعزيز الحوار والانفتاح بين الشعوب.
إن الهوية الجديدة لمهرجان جرش ليست مجرد إعلان عن دورة جديدة، بل إعلان عن استمرار مشروع ثقافي وطني آمن منذ بدايته بأن الثقافة قوة ناعمة تصنع صورة الوطن، وأن الفن لغة تجمع الشعوب. وبعد أربعين عامًا، ما تزال جرش تثبت أن الإرث الحقيقي لا يُحفظ بالذاكرة وحدها، بل يتجدد بالفعل والإبداع، وتظل الأجيال تلتقي على أرض الحضارة، لتكتب فصلًا جديدًا من قصة مهرجان أصبح عنوانًا للثقافة الأردنية والعربية.