جفرا نيوز -
د. دانييلا القرعان ..
كُتب هذا المقال قبيل مباراة مصر وإيران... تحليل يجمع بين الرياضة والسياسة..
لم تعد كرة القدم مجرد تسعين دقيقة داخل المستطيل الأخضر، ولم يعد كأس العالم بطولة رياضية فحسب، بل أصبح في كثير من الأحيان ساحة تتقاطع فيها السياسة والثقافة والقيم والهويات، وما يجري اليوم من جدل حول إصرار الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) على المضي في فعاليات مرتبطة بمجتمع الميم (المثيليين)، برغم اعتراض بعض المنتخبات مما يضع الجميع أمام سؤال يتجاوز حدود الرياضة.
إذا صحت التقديرات، لم تُبدِ فيفا أي مرونة تجاه اعتراضات مصر وإيران، فإن المنتخبين سيجدان نفسيهما أمام اختبار غير مسبوق، هل تستمر المشاركة مهما كان الثمن، أم يصبح الانسحاب موقفاً مبدئياً؟
قد يرى كثيرون أن الانسحاب خسارة رياضية كبيرة، وأن الوصول إلى كأس العالم حلم لا ينبغي التفريط به، لكن هناك من يرى الأمر من زاوية مختلفة؛ فحين يتعلق الأمر بالمبادئ والقيم التي يؤمن بها شعب أو دولة، فإن الكأس، مهما كانت قيمتها، تبقى أقل شأناً من الثبات على الموقف.
في هذا المنظور، لا تكون المفاضلة بين كرة القدم والسياسة، بل بين الرياضة والضمير، وبين المنافسة الرياضية والالتزام بما يراه الإنسان حقًاً، فالرياضة، مهما عظمت، وُجدت لخدمة الإنسان، لا ليُطلب من الإنسان أن يتخلى عن قناعاته من أجلها.
من هنا، يعتقد أصحاب هذا الرأي أن أي قرار بالانسحاب - إن وقع - لن يكون هروباً من المنافسة، بل رسالة تقول إن هناك خطوطاً لا تُقاس بالميداليات ولا الكؤوس، وأن المواقف تُكتب في التاريخ قبل أن تُكتب في سجلات البطولات.
وفي المقابل، هناك من سيجادل بأن المشاركة لا تعني بالضرورة الموافقة على كل ما يحيط بالبطولة، وبأن خوض المباريات مع التمسك بالموقف المعلن قد يكون أكثر تأثيراً من الانسحاب، وأن الرياضة يجب أن تبقى مساحة للتنافس لا للصدام الثقافي.
لهذا، فإن القضية لا تزال مفتوحة، ولم يُتخذ أي قرار بالانسحاب حتى الآن، لكن الساعات المقبلة قد تحمل تطورات تحدد اتجاه هذا الجدل.
ويبقى السؤال معلقاً، إذا وصلت الأمور إلى لحظة الاختيار، فمن سينتصر؟ هل ستنتصر الرياضة بوصفها حدثاً عالمياً جامعاً، أم ستنتصر الكرامة كما يفهمها أصحاب هذا الموقف؟
الجواب لم يُكتب بعد، وما ستكشفه الأيام القادمة قد لا يحدد فقط مصير مباراة أو بطولة، بل يضيف فصلاً جديداً من الأكشن إلى العلاقة المعقدة بين الرياضة والقيم في عالمنا المعاصر.