اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

كيف تؤثرالميكروبات على صحتنا النفسية؟

الأحد-2026-06-21 02:42 pm
جفرا نيوز -
 
الكاتب والباحث: د.محمود سمور
عضو الهيئة العامة لاتحاد الكتاب والادباء الاردنيين وعضو المجلس المركزي لحزب العمال .  

مقدمة 

منذ سنين طويلة اعتادت الناس على تفسيّرالأمراض النفسية بأنها نتيجة اضطرابات في كيمياء الدماغ أو أسباب وراثية وضغوط الحياة وقليل من العلماء كانوا يفكرون في أي شيء آخرولكن مع الوقت بدأ يظهر عالم جديد تحت الميكروسكوب وهوعالم الميكروبات التي تسكن أجسامنا أوتدخل الينا عن طريق العدوى, واليوم اصبحنا نعرف بأن هذه الكائنات الصغيرة تلعب دورًا ليس بسيط في الصحة النفسية.

وأن اكتشاف محور"الأمعاء–الدماغ" قلب المفاهيم القديمة رأسًا على عقب فالأمعاء ليست فقط مسؤولة عن الهضم وانما فيها تريليونات من البكتيريا والفطريات والفيروسات(الميكروبيوم) تعيش وتعمل فيها بمهام حيوية حيث هي كذلك ترسل إشارات للدماغ وتؤثرعلى النفسيةعن طريق الأعصاب أوالمناعة أوالهرمونات وأي خلل يحدث في هذا التوازن أوحتى عدوى بسيطة ممكن أن يغيّرالمزاج والسلوك ويزيد فرصة الإصابة بالاكتئاب أوالقلق أوغيرها من الاضطرابات النفسية.

وهذا طبعا لا يعني أن كل من يصاب بالاكتئاب السبب ميكروب  فالمسألة أعقد من ذلك ولكن بدأ واضح أنها أحد العوامل الأساسية التي تتكامل مع الوراثة والبيئة لتحدد صحة الشخص النفسية في النهاية.

كيف تسبّب هذه الميكروبات مشاكل نفسية؟

الميكروبات عندها أسلحة أكثرمما نتخيل ومن أهم الطرق التي تأثر فيها على الدماغ والنفسية:

1-تنشيط الالتهاب المزمن: عندما تصيب بعض الميكروبات الجسم أو يحدث اختلال في توازن ميكروبات الأمعاء يتم تنشيط الجهاز المناعي وإفرازمواد التهابية تُعرف بالسيتوكينات مثل:
.(IL-6)- الإنترلوكين-6
 .(TNF-α)-عامل نخرالورم ألفا
. (IL-1β)-الإنترلوكين-1 بيتا
وقد أثبتت الدراسات أن ارتفاع هذه المواد يرتبط بظهورأعراض الاكتئاب مثل الحزن المستمروفقدان المتعة والإرهاق واضطرابات النوم والشهية.

: 2-التأثيرفي النواقل العصبية
تسهم ميكروبات الأمعاء في تصنيع أوتنظيم العديد من النواقل العصبية المهمة ومنها:
- السيروتونين: المسؤول عن تنظيم المزاج والشعور بالسعادة.
- الدوبامين: المرتبط بالمكافأة والتحفيز.
. المسؤول عن تهدئة النشاط العصبي :(GABA)- حمض غاما أمينوبيوتيريك 
- النورأدرينالين: المرتبط باليقظة والانتباه.
وقد يؤدي اضطراب الميكروبيوم المعوي إلى اختلال إنتاج هذه المواد مما ينعكس على الحالة النفسية.

3-التأثيرعبرالعصب المبهم:
يُعد العصب المبهم الطريق الرئيسي للتواصل بين الأمعاء والدماغ وتستطيع بعض الميكروبات أونواتجها الأيضية إرسال إشارات عصبية تؤثر في مناطق الدماغ المسؤولة عن تنظيم الانفعالات والمزاج.

4-زيادة نفاذية الأمعاء:
قد يؤدي اختلال التوازن الميكروبي إلى ما يُعرف بـ"الأمعاء المتسربة" حيث تسمح بطانة الأمعاء بمرور السموم البكتيرية إلى مجرى الدم مما يحفزالالتهاب الجهازي ويؤثرسلباً في وظائف الدماغ.

5-التأثير المباشر في الجهاز العصبي المركزي: 
بعض الميكروبات تستطيع غزوالجهازالعصبي أو تحفيزاستجابات مناعية تؤدي إلى تغيرات في وظائف الخلايا العصبية وقد تظهرأعراض نفسية واضحة لدى المصابين.

أمثلة على الميكروبات المرتبطة بالأمراض النفسية:

:(Toxoplasma gondii) أولاً: طفيلي المقوسة الغوندية  
يُعد من أكثرالكائنات(طفيليات) التي دُرست في هذا المجال ينتقل غالباً من خلال:
- اللحوم غير المطهية جيدا.
- ملامسة برازالقطط المصابة.
- الأغذية الملوثة.
وقد أشارت دراسات عديدة إلى وجود ارتباط بين الإصابة المزمنة بهذا الطفيلي وزيادة احتمالية الإصابة بالاكتئاب وبعض اضطرابات الشخصية والفصام والسلوكيات الاندفاعية ويُعتقد أن ذلك يحدث نتيجة تأثيره في استقلاب الدوبامين وإحداث التهاب عصبي مزمن.

:(Dysbiosis)ثانياً: بكتيريا الأمعاء غير المتوازنة  
لا يتعلق الأمرببكتيريا محددة بل بحدوث خلل في التركيبة الطبيعية لميكروبات الأمعاء ومن أبرزالتغيرات التي وُجدت لدى مرضى الاكتئاب ومثال على اضضراب البكتيريا هو انخفاض أنواع    Lactobacillus and Bifidobacteriumنافعة مثل لاكتوباسليس وبفيدوباكتيريم 
وزيادة أنواع مولدة للالتهاب وقد وُجد أن بعض المرضى الذين يعانون من الاكتئاب يمتلكون أنماطاً مختلفة من الميكروبيوم مقارنة بالأصحاء.

 :(Streptococcus pyogenes)ثالثاً: العقديات المقيحة 
PANDASفي بعض الأطفال قد تؤدي العدوى بهذه البكتيريا إلى اضطراب يُعرف باسم 
وهو اضطراب مناعي عصبي مرتبط بعدوى العقديات حيث تظهربصورة مفاجئة أعراض نفسية وسلوكية مثل:
- الوسواس القهري.
- القلق الشديد.
- التغيرات المزاجية.
- التهيج والانفعالات الحادة.
ويُعتقد أن الأجسام المضادة الناتجة عن العدوى تهاجم أجزاء معينة من الدماغ عن طريق الخطأ.

رابعاً: فيروس الهربس البسيط:
أشارت بعض الدراسات إلى أن العدوى المزمنة أوالمتكررة ببعض فيروسات الهربس قد ترتبط بزيادة الالتهاب العصبي واضطرابات المزاج إلا أن الأدلة ما زالت غيرحاسمة.

خامساً: فيروس كوفيد-19
أظهرت جائحة كوفيد-19 أن بعض المصابين قد يعانون لاحقاً من:
- الاكتئاب.
- القلق.
- اضطرابات النوم.
- ضعف التركيز.
- ما يُعرف بضبابية الدماغ.
ويرجح أن يكون السبب مزيجاً من الالتهاب العصبي والاستجابة المناعية والضغوط النفسية المصاحبة للمرض.
سادساً: بعض الفيروسات العصبية الأخرى مثل:
- فيروس إبشتاين–بار.
- الفيروس المضخم للخلايا.
وقد دُرست علاقتها بالتعب المزمن واضطرابات المزاج لكن الحاجة ما زالت قائمة لإجراء مزيد من الدراسات لتأكيد هذه الروابط.

هل يمكن علاج الاكتئاب بإصلاح الميكروبيوم؟

السؤال اليوم على طاولة العلماء: إذا عملنا على تصحيح  توازن الميكروبات هل تصح و تنصلح أعصاب الإنسان ونفسيته؟
 في مشاريع تجريبية يُدرس فيها:
 Probiotic   البروبيوتيك (البكتيريا المفيدة). - 
 Prebioticالبريبايوتيك (التي تغذي البكتيريا النافعة). - 
تحسين الغذاء خضاروألياف وفواكه . - 
تقليل الاطعمة المصنعة. - 
زرع الميكروبات (في حالات خاصة جداً).  - 
معالجة العدوى نفسها إذا اكتشفت.   - 
كل هذه تدخل كمساندة فقط لا تعوض أبداً عن العلاج النفسي أوالأدوية الضرورية وهي مكمل للخطة العلاجية تحت إشراف الطبيب.


الخلاصة:

الأبحاث الحديثة وضحت أن علاقتنا مع الميكروبات أغنى وأعقد مما كان يُظن وهذه الكائنات ليست مجرد ضيوف أوأعداء بل هي جزء من المنظومة الحيوية التي تشكل مزاجنا وسلوكنا وأي اضطراب في توازنها أو عدوى ممكن أن يشعل التهابات أويؤذي تواصل الأمعاء بالدماغ أو يخلط بالنواقل العصبية وكل هذا يفتح الباب للاكتئاب وغيره من المشاكل النفسية.
ومع تطورالأبحاث قد نجد قريبًا وسائل جديدة للعلاج والوقاية وفي النهاية فأن صحة الميكروبيوم جزء لا يتجزأ من الصحة النفسية الشاملة لكن لا ننسى أن النفسية معقدة ومسببات الأمراض النفسية دائمًا أكثر من عامل واحد.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير