اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

العلاقة الأمريكية الإسرائيلية .. و إعادة التعريف

الأحد-2026-06-21 01:06 pm
جفرا نيوز -
بقلم : الدكتور محمد فرج 

منذ قيام إسرائيل، كانت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تُقدَّم بوصفها إحدى أكثر العلاقات الاستراتيجية رسوخا في النظام الدولي. فقد تجاوز هذا التحالف حدود المصالح الآنية والخلافات السياسية التقليدية، واستند إلى شبكة واسعة من التعاون العسكري والأمني والاقتصادي والدبلوماسي، جعلت كثيرين ينظرون إليه باعتباره ثابتا من ثوابت السياسة الأمريكية.

إلا أن التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم تفرض اليوم أسئلة جديدة حول طبيعة هذه العلاقة ومستقبلها.

واكتسبت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أهمية خاصة، ليس بسبب ما قاله عن إيران، وإنما بسبب الرسائل التي وجهها بصورة مباشرة وغير مباشرة إلى إسرائيل. فعندما شدد على أن جزءاً كبيراً من القدرات الدفاعية الإسرائيلية يعتمد على الدعم العسكري الأمريكي، لم يكن يقدم معلومة جديدة بقدر ما كان يعيد التذكير بحقيقة استراتيجية طالما جرى التعامل معها باعتبارها أمرا بديهيا لا يحتاج إلى التذكير.

تكمن أهمية هذا الخطاب في أنه صدر من أحد أعلى المستويات السياسية في واشنطن. فالرسالة هنا لا تتعلق بحجم المساعدات فقط، بل بطبيعة العلاقة نفسها، وبالحدود التي يمكن أن تصل إليها قدرة أي حليف على تجاهل حسابات القوة والمصالح داخل الولايات المتحدة.

الأكثر دلالة كان الانتقاد الموجه لبعض الأصوات الإسرائيلية التي اختارت مهاجمة الإدارة الأمريكية وسياساتها. فاللهجة التي استخدمها فانس لم تكن لهجة تهديد، بل بدت أقرب إلى خطاب الحليف الذي يحذر  من سوء تقدير المتغيرات الجارية داخل الولايات المتحدة وخارجها. وأكسب فانس الكثير من الأصوات الرافضه لاسرائيل وهذا ما منح تصريحاته بعدا سياسيا يتجاوز الجدل الظرفي المرتبط بملف إيران أو بأي اتفاق مؤقت.

في المقابل، تشهد الولايات المتحدة نفسها تحولات داخلية لا يمكن تجاهلها. فالنقاش حول إسرائيل لم يعد محصورا في الدوائر التقليدية، بل أصبح جزءا من السجال السياسي والإعلامي والانتخابي. كما أن ظهور أصوات أمريكية تدعو إلى إعادة تقييم شكل الدعم المقدم لإسرائيل وربطه بشكل أوضح بالمصالح الأمريكية يعكس تغيرا تدريجيا في المزاج السياسي العام.

أما إسرائيل، فتواجه بيئة دولية أكثر تعقيدا مما كانت عليه في العقود السابقة. فحجم الانتقادات السياسية والقانونية والإعلامية التي تتعرض لها في العديد من العواصم الغربية بات أكبر من أي وقت مضى، كما أن صورة الإجماع الدولي التي كانت تتمتع بها تاريخيا لم تعد بالوضوح والقوة نفسيهما.

لكن هل تمثل هذه المؤشرات مقدمة لانفصال أمريكي إسرائيلي أو لانهيار التحالف القائم بين الطرفين؟ من المبكر الوصول إلى مثل هذا الاستنتاج. فالمصالح المشتركة والمؤسسات الأمنية والعسكرية وشبكات النفوذ المتبادلة ما زالت تشكل أساسا قويا للعلاقة بين واشنطن وتل أبيب. غير أن ما يبدو واضحاً هو أن طبيعة الحوار داخل هذا التحالف بدأت تتغير، وأن المسلمات التي حكمت العلاقة لعقود أصبحت اليوم موضع نقاش ومراجعة أكثر من أي وقت مضى.

ويزداد هذا الانطباع مع تصاعد التباينات بين بعض دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية. كما أن الجدل المتنامي داخل الأوساط السياسية الأمريكية حول دور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل وحدود تأثيرها يعكس حالة من إعادة التقييم تشهدها الساحة الأمريكية، حتى وإن كانت نتائجها النهائية لم تتضح بعد.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية ستنتهي، بل ما إذا كانت تدخل مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف حدود الدعم، وأولويات المصالح، وقواعد الشراكة السياسية بين الجانبين.

الإجابة النهائية لم تتضح بعد، لكن المؤكد أن المنطقة تشهد لحظة تحول مهمة، وأن القدرة على قراءة المتغيرات مبكراً ستكون عاملاً حاسماً في فهم شكل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة. فالتاريخ يعلمنا أن التحالفات الكبرى لا تنهار عادة بشكل مفاجئ، لكنها تتغير تدريجياً عندما تتغير المصالح وموازين القوى والبيئات السياسية المحيطة بها.

ومن هنا، قد لا يكون السؤال الأهم هو ما إذا كانت واشنطن ستتخلى عن إسرائيل، بل ما إذا كانت العلاقة بين الطرفين ستبقى بالشكل نفسه الذي عرفه العالم طوال العقود الماضية، أم أنها بدأت بالفعل تدخل مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة الأولويات وحدود النفوذ ومساحات التأثير المتبادل.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير