اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
النسخة الكاملة

مآلات قانون “لاشابيل” في تطويع النقابات

السبت-2026-06-13 08:17 pm
جفرا نيوز - المحامي الدكتور بشار صبر الرواشده

كانت النقابات تُعتبر من بين أهم المؤسسات المدنية التي تُشكّل حالة استثنائية؛ حيث كانت صوت الشارع الرسمي، والهاجس المقلق، والجهة الضاغطة ضد السياسات الحكومية، مرتكزةً على موجبات وجودها وشرعيتها، بدءًا من الدور المهني، مرورًا بالدور الوطني، وصولًا إلى الدور الاجتماعي.

لنعد إلى البدايات قليلًا. برزت الأهمية لتأسيس النقابات في القرن الثامن عشر كانعكاس لظروف العمل غير الملائمة والمجحفة تجاه العمال، أو كما أُطلق عليهم آنذاك مصطلح "البروليتاريا” أو الطبقة الكادحة. وكان دورها الأساسي أنها تدافع عن كل ما يتعلق بحقوق العامل، كعنوان عريض وعام ينطوي تحته كل ما يُسمى منفعة، من شأنها أن تُذلل الصعاب للعامل، وتوفر له بيئةً وظروفَ عملٍ عادلة.

ومع التطور، شهد مفهوم النقابات تحولًا من صورته التي تقتصر على العمال إلى مفهوم النقابات المهنية التي تختص بمهنة محددة. ضمت هذه النقابات آلافًا من الأفراد، يجمعهم مهنة واحدة لها ذات الظروف، وتمنح ذات الامتيازات والحقوق، وترتب ذات الالتزامات، وتفرض ذات المسؤوليات، بموجب قوانين وأنظمة منوطة بها.

يتمحور الدور الأساسي للنقابات المهنية حول المطالبة، والسعي، والاجتهاد في الحصول على أكبر قدر من الامتيازات لمنتسبيها. والنهوض بهذا الدور يحتم عليها الانخراط في مفاوضات، ومواجهات، وسجال في الآراء مع الحكومات؛ باعتبارها السلطة التنفيذية المسؤولة عن السياسات ذات الصلة، وصاحبة القرار في كل ما قد ينال أو ينتقص من حقوق المنتسبين. موظفةً القوة التي تملكها النقابات للتأثير على القرار، والمتمثلة بالأعداد الكبيرة التي تصطف خلف مجالسها، ضمن أساليب وأدوات مؤطرة ومشروعة.

إلى جانب ذلك، تؤدي النقابات دورًا وطنيًا لا يقل أهمية عن الدور المهني. وينصب هذا الدور حول مشاركتها في التعبير عن قضايا المجتمع، ونقل صوته المعارض للقرارات التي تتخذها الحكومات والمتعلقة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية، والتي من شأنها زيادة الأعباء المالية على المواطن، متبعةً منهجيةً متزنة بعد غربلة هذا الصوت من الكسبة وممارسي الركمجة.

وعلى الصعيد الوطني أيضًا، لعبت النقابات دورًا هامًا من خلال النهوض بجزء كبير من المسؤوليات التي تقع على عاتق الحكومات، والمتمثلة بتوفير فرص العمل، والتأمين الصحي، والرواتب التقاعدية، من خلال فتح أبوابها لقبول منتسبين؛ مما قلص نسب البطالة، وقلل بعض الأعباء عن كاهلها مقابل منح الرواتب التقاعدية، وكذا أيضًا الحد من الضغوط التي يتحملها القطاع الصحي.

لاقى نهوض النقابات بجزء من الأعباء والمسؤوليات التي تقع على عاتق الحكومات ردًّا تمثل في اتباع منهج الحكومة الفرنسية لتطويع النقابات، والتخلص من التهديد الذي تشكله، واجتثاثها من جذورها؛ عندما اتجهت، بتاريخ 1791، إلى سن قانون سُمي آنذاك بقانون "لاشابيل”، والذي صدر لغايات تجريم أي مطالبات بحقوق المهنيين.

وعلى الرغم من اختلاف الزمن والسياق، كانت الحكومات هنا أكثر حذرًا وديمقراطية؛ حيث اتبعت ممارسات ومنهجية دقيقة، دون اللجوء إلى سن تشريع صريح، تُفضي إلى تقزيم دور النقابات وتقويض مجالسها، مما أدى إلى انحراف النقابات عن دورها الجوهري، محققةً نتائج مشابهة لأهداف "قانون لاشابيل”.

وبالنظر إلى المعطيات الحالية والواقع، نجد أن النقابات أصبحت خاضعة، بشكل غير مباشر، للحكومات، دون الحاجة إلى تجريم أو قمع الأفعال التي تُقدم عليها النقابات لمواجهة الحكومة، سواء للمطالبة بحقوق منتسبيها أو لتحسين الأوضاع المعيشية لأفراد المجتمع
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير